الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٩٢قال مسفر الدميني (معاصر) عن المحدثين: "ولعلهم فهموا من عرض الحديث على القرآن أنما أتت به الأحاديث ولم يجدوه في القرآن حُكم عليه بالرد، لكن الحديث لا يُفهم منه هذا؛ فهو يقرّر قبول ما وافق القرآن ورد ما خالفه، فالحديث الذي يخالف القرآن أي يناقضه ويباين -معناه لا يمكن قبوله ولا الحكم بصحته، وهذا لا يعني تصحيح هذا الحديث الذي حكموا عليه بالوضع، إنما يعني أن معناه صحيح سواء صح إسناده أو لم يصح، فأوضح أن التباس المحدثين في فهم معنى حديث العرض ألجأهم إلى ردّه.
2
وهذا ما أكده محمد شلبي (ت 1998 م) في قوله: "لو تغاضينا عن كل ما قيل فيه [أي في حديث العرض من جهة السند ورجعنا إلى السبب الذي قيل هذا الحديث لظهر لنا المراد من المخالفة التي يرويها الحديث وهي المخالفة الصريحة المناقضة لما في، القرآن أما التي بيّنته أو أتت بأحكام زائدة لم يعرض لها؛ فليس فيها مناقضة له، بل هي إما مبينة أو متممة … ، وتلك دعوة - إن صح الحديث إلى التثبت في قبول الأحاديث وعدم التساهل في الأخذ بكل ما يروى عنه، فأوضح أن حديث العرض لا إشكال فيه من جانب المتن؛ فهو يؤسس مقياساً لنقد الحديث، الذي ينبغي التحرّي في تمحيصه وعدم التساهل فيه.
وأكد مسفر الدميني هذه النتيجة فقال: "لقد بحثتُ هذا الموضوع من كل جوانبه فتبين لي أن نظرة الذين أنكروا هذا المقياس … اعتبروا أن معنى عرض السنة على القرآن أنْ يُردَّ كل ما جاءت به مما لم يرد في القرآن، ولما كانت أكثر الأحكام ثابتة بالسنة وبالآحاد منها خاصة فإن هذا يعني عندهم- ردّ أكثر الأحكام الشرعية، وفي هذا ردّ على رسول الله له وتكذيب، له مع أن الله أوجب طاعة رسوله وحذر من مخالفته؛ لذا نرى هؤلاء يستدلون بحديث «لا ألفين أحدكم متكنا على أريكته … »، مع أن الذين يقولون بالعرض لا يقولون: إن القرآن يكفينا ولا حاجة لنا إلى السنة، بل يقولون إن القرآن والسنة المتواترة هما الأصل الشرعي الذي لا اختلاف عليه، وإنما الخلاف في بعض الأحكام الثابتة بطريق الآحاد"، فأوضح أن دافع المحدثين الذين أنكروا مقياس العرض هو أن العرض يؤدّي إلى إلغاء الأحكام التى ثبتت بالسنة أو الأحاديث وحدها، في حين أن العرض في
اعتبارهم
مفهومه الصحيح لا يعني ذلك، وإنما يعني تمحيص الأحاديث الآحاد وتنقيتها في ضوء القرآن الكريم. وقد استعملت كلمة الحديث المخالف لدى الفقهاء والمحدثين في الحديث المنافي والمعارض، دون المبين للكتاب أو المستقل بحكم جديد منسجم مع أطره وكلياته، ومن ذلك قول الشافعي (ت 204 هـ): " لم تكن السنة
مسفر عزم
الله الدميني، مقاييس نقد متون السنة، ط 1، المؤلّف، الرياض، السعودية، 1404 هـ / 1984 م، ص 117 - 118. رئيس قسم الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية وجامعة بيروت الغربية، وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر سابقا. محمد مصطفى شلبي أصول الفقه الإسلامي، ط 1، الدار الجامعية، بيروت، 1974 هـ، ص 135. سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، ح: 4010؛ قال الألباني: وإسناده صحيح.
الدميني،
مقاييس نقد متون السنة،
سابق، ص 300 - 301. مرجع
73
1
2
3
4
5