الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٩٣لتخالف كتاب الله ولا تكون السنة إلا تبعا لكتاب الله بمثل تنزيله أو مبيّنة معنى ما أراد الله، فهي بكل حال
متبعة كتاب الله، فنفى أن يكون الحديث مخالفا للكتاب، وهو ما نفاه حديث العرض.
قال الشوكاني (ت 1250 هـ): وقد عارض حديث العرض قومٌ، فقالوا: عرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله فخالفه؛ لأنا وجدنا في كتاب الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر: 7]، وَوَجَدْنَا فِيهِ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} [سورة آل عمران: 31]، ووجدنا فيه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله} [سورة النساء: 80] 2؛ فرأى أن حديث العرض يتعارض مع الآيتين، وهذا مبني على افتراضه أن ما يُعرَض على القرآن هو كلام المصطفى ذاته؛ ويُعترض عليه بأن العرض غير وارد على ما آتاه الرسول وسُمع منه مباشرة دون واسطة وإنما يُعرَض ما رُوي عنه ونُقل إلينا من أخبار الآحاد، وهو ما تنبه إليه السرخسي (ت 483 هـ) إذ قال: ولئن ثبت [حديث العرض] فالمراد أخبار الآحاد لا المسموع منه بعينه، أو الثابت عنه بالنقل المتواتر، وفي اللفظ ما دلّ عليه وهو قوله العلي: «إذا رُوِيَ لكم عنِّي حديث»، ولم يقل: إذا سمعتم 3، فالحديث الذي يُعرض هو المحكي عنه لا ما صدر عنه في نفس الأمر؛ إذ لم يسمعه إلا الذين
مني
شهدوه.
وبهذا يظهر أن حديث العرض ليس مخالفا للقرآن الكريم؛ بل قد رأينا في التأصيل القرآني لقاعدة العرض كثيرا من الآيات الدالة على وجوب الرجوع والاحتكام إلى كتاب الله، وجعله معيارا للحق والباطل والصحة والبطلان.
ولذا لم يسلم عبد العزيز البخاري (ت 730 هـ) بأن حديث العرض فيه مخالفة للآية الكريمة: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ؛ حيث قال: ولا نسلّم أنه أي حديث العرض مخالف للكتاب؛ لأن وجوب القبول بالكتاب إنما يثبت فيما تحقق أنه من عند الرسول بالسماع منه أو بالتواتر، ووجوب العرض إنما يثبت فيما تردّد ثبوته الا من الرسول الل؛ إذ هو المراد من قوله إذا رُوِي لكم عنّي حديث»، فلا يكون فيه مخالفة للكتاب بوجه" فنفى وجود أي تعارض بين حديث العرض والآية المذكورة.
6
411
كما نفى محمد زاهد الكوثري (ت (1952 م التعارض بين حديث العرض وحديث الأريكة الآنف ذكره، حيث قال: "حديث لا ألفين» الذي رواه العدني عن ابن عيينة لا يعارضه؛ لأنّ لفظ «لا يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه لا ينطبق إلا على المتيقن أنه قول الرسول بالسماع منه العليا، أو بتواتره عنه"
6
511
فميز بين
الشافعي، الرسالة، مرجع سابق، ص 136.
1
2
3
4
5
الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، مرجع سابق، 97/ 1.
السرخسي، أصول السرخسي، مرجع سابق، 76/ 2.
عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار عن أصول البزدوي، دط، دار الكتاب الإسلامي، دب، دت، ت، 10/ 3.
نقل عنه ذلك: أبو الوفا الأفغاني، هامش تحقيقه لكتاب الرد على سير الأوزاعي لأبي يوسف الأنصاري، مرجع سابق، ص 27.
74