الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٩٤3
الحديث المروي عن النبي الذي يجب عرضه لتمحيصه وبين قول النبي ذاته بالنسبة لمن شهد صدوره أو بلغه بالتواتر القطعي، فهذا لا حاجة لعرضه.
واستشكل مصطفى السباعي (ت (1964 م ردَّ كثير من المحدثين لحديث العرض من جهة متنه فقال: "ولئن كان رَدُّه من جهة المتن؛ فهذا الحديث قد رُوِيَ بألفاظ مختلفة، ففي أكثر الروايات «فَمَا وَافَقَ فَاقْبلُوهُ وَمَا خَالَفَ لَمْ يُوَافِقُ فَرُدُّوهُ»، وهذا النص ليس فيه ما يقتضي الحكم بالضعف، فضلاً عن أن يقول فيه عبد الرحمن بن مهدي: إِنَّهُ مِنْ وَضْعِ الخَوَارِجِ وَالزَّنَادِقَةِ؛ ذلك أن من المتفق عليه بين العلماء وقد ذكرنا ذلك من قبل أن من علائم وضع الحديث أن يكون مخالفاً للكتاب وَالسُّنَّةُ القطعية، فإذا جاءنا حديث بحكم «يخالف أو لا يوافق» ما في كتاب الله من أحكام ولا مجال للتأويل، حكمنا بوضعه باتفاق؛ وهل قال الحديث الذي نحن بصدده أكثر من هذا؟! "، فرأى أن حديث العرض ليس في متنه ما يستدعي الحكم عليه بالضعف بله بالوضع، وكل ما جاء فيه هو تثبيت الحديث الموافق للقرآن وإبطال الحديث المخالف للقرآن وهذه القاعدة مقبولة معتبرة لدى العلماء-كما سنرى، ولم يرد في الحديث أكثر من هذا، فلا مسوّغ عنده- لتضعيفه من جهة المتن.
ومهما يكن من أمر؛ فسواء صح حديث العرض أو لم يصح، فمعناه صحيح؛ كما قال إبراهيم الشاطبي (ت 790 هـ): "يجوز أن تأتي السنة بما ليس فيه مخالفة ولا موافقة، بل بما يكون مسكونا عنه في القرآن؛ إلا إذا قام البرهان على خلاف هذا الجائز، وهو الذي ترجم له في هذه المسألة؛ فحينئذ لا بد في كل حديث من الموافقة لكتاب الله كما صرح به الحديث المذكور؛ فمعناه صحيح صح سنده أو لا"، ثم قال: "وَالحَاصِلُ مِنَ الجَمِيعِ صِحَّةُ اعْتِبَارِ الحَدِيثِ بِمُوَافَقَةِ القُرْآنِ وَعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ، وَهُوَ المَطْلُوبُ عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ هَذِهِ الْمَنْقُولَاتِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ تَصِحَ، فَلا عَلَيْنَا؛ إِذْ المَعْنَى المَقْصُودُ صَحِيحٌ، فليس الموقف من الحديث يقتضي بالضرورة الموقف ذاته مما حواه، فقد يكون الحديث ضعيفا ونجد مضمونه موافقاً لما وردت به الشريعة.
31128
ومن الدوافع المهمة لرد حديث العرض لدى محدّثي أهل السنة: التوجس والتورّع الشديد من رد شيء من كلام المصطفى، وهذا صائب بل مطلوب، لكن إلى جانب ذلك يجب أن يكون التورّع والتحري أشدّ أن يُنسب إلى النبي ما لم يقله؛ لخطورة الوعيد الوارد في هذا.
ومن دوافعهم أيضا تضجّرُهم من التسرّع في ردّ الحديث لمجرّد توهم المعارضة بين الحديث والآية؛ ولهذا نحن نسعى في بحثنا إلى الكشف عن الضوابط العلمية السليمة لمنهج العرض؛ درءاً للتوظيفات الخاطئة في تطبيقه.
1
2
مصطفى السباعي، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مرجع سابق، ص 249. إبراهيم بن موسى الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة تح: محمد الإسكنداراني وعدنان درويش، دط، دار الكتاب العربي، بيروت، 2012 م،
ص 682.
الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ص 683.
75
155