الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٩٥الصنف الثاني: تطبيقات الصحابة
تعود الجذور الأولى لتطبيق مبدأ عرض الحديث على القرآن الكريم إلى عهد النبي، حيث كان يبيّن علاقة سنّته بالكتاب، توطيدًا للصلة القائمة بينهما، وتوكيدا على أن السنة بيان للقرآن الكريم.
ذلك أنه حين ذكر الرسول ما أعده الله تعالى لأوليائه في الجنة، فقال: «أعددت لعبادي ومن الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [سورة السجدة: 17]»، ونحو هذا. الأحاديث. من
وعلّق الزركشي (ت 794 هـ) على هذا الحديث وأمثاله بأن النبي "أعلمهم مواضع حديثه من القرآن، ونبههم على مصداق خطابه من الكتاب؛ ليستخرج علماء أمته معاني حديثه طلبا لليقين، ولتستبين لهم السبيل، حرصاً منه اللي على أن يزيل عنهم الارتياب وأن يرتقوا في الأسباب 2، أي علمهم كيف يعقدون الصلة بين
حديثه الله وكلام الله تعالى بالتأمل والمقارنة والربط بينهما، وهذا مما يزيد اليقين ويدفع الشك والارتياب.
النبي
أمثلة مقابلة الحديث بالقرآن الكريم في عهده الله ما أخرجه البخاري: "أن عائشة زوج ومن كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه؛ إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي الله قال: «من حُوسب عُذِّب» قالت عائشة: فقلت: «أوليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [سورة الانشقاق:8]، قالت: فقال «إنما ذلك العرض، ولكن من نُوقش الحساب يهلك»، قال ابن حجر (ت 852 هـ) في شرح هذا الحديث مبينا الفوائد المستخلصة منه: "وفي الحديث: ما كان عند عائشة من الحرص على تفهم معاني الحديث، وأن النبي الله لم يكن يتضجر من المراجعة في العلم، وفيه جواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب، وتفاوت الناس في الحساب، وفيه أن السؤال عن مثل هذا لم يدخل فيما هي الصحابة عنه، فمقابلة السنة بالكتاب هي ما نعنيه بعملية عرض الحديث على القرآن الكريم؛ إذ تعني المقارنة وملاحظة التوافق أو الاختلاف بينهما، والاستشكال في حال العثور على تعارض بين نصين، والبحث عن إزالته إما بالجمع كما في هذا الحديث، أو بالترجيح حين يتعدّر التوفيق السليم، ولم يكن هذا الاستشكال محل نهي أو حظر.
411
وعائشة بالرغم من امتثالها لكتاب الله تعالى ولأوامر رسول الله، فإنها " لم تسمح لنفسها بأن تقبل ما بدا لها أوّل الأمر مخالفا لكتاب الله وحرصا منها على تفهم معنى الحديث النبوي راجعت زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يضجر من المراجعة في العلم، ولم يزجرها عن مقابلة حديثه بالقرآن الكريم وعرضه عليه، بل رفع
1
2
3
صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ح: 3088.
، البرهان، مرجع سابق، 130/ 2.
النبي
الزركشي،
البخاري، كتاب العلم، باب من سمع شيئا فلم يفهمه فراجع فيه حتى يعرفه، ح: 102. وأخرجه بألفاظ مشابهة: ابن حبان وأبو داود
والترمذي وابن حنبل والبيهقي وغيرهم. 4 أحمد
بن علي ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، مرجع سابق، 197/ 1.
76