الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٩٦هذا التعارض بأنّ لكلّ من الآية والحديث موضعا غير موضع الآخر، ومن هذا يُؤخذ أن الجمع والتوفيق عند التعارض الظاهري مقدّم على الترجيح، والإعمال أولى من الإهمال، وبخاصة عند قطعية ثبوت الدليلين لدى السامع، أما في حال ظنّيتهما أو ظنّية أحدهما فأمر آخر، سنتطرق إليه لاحقا.
لِبَشَرٍ
أَنْ
واستمرت فكرة العرض في عهد الصحابة، وتبلورت أكثر مع ظهور الخطأ والوهم في نقل الحديث بسبب نقله بالمعنى؛ فاتَّخِذَ العرضُ على القرآن مقياسا للتثبت من صحته، خاصة من جانب متنه؛ حيث كان الصحابة يركزون على نقد المتن أكثر؛ لوثوقهم من جانب السند، وقد برز منهم في ذلك على وجه التحديد عائشة وعمر وابن عباس، فكانت لهم تطبيقات عملية في ذلك أوردتها كتب الحديث؛ منها ما يأتي: (1) أخرج البخاري عن مسروق قال: قلت لعائشة: يا أمتاه هل رأى محمد ربه؟ فقالت: «لقد قَفَّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث؟ من حدثكهن فقد كذب من حدثك أنّ محمداً رأى ربه فقد كذب؛ ثم قرأت الآية ﴿وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام: 103]، {وَمَا كَانَ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب [سورة الشورى: 51]، ومن حدّثك أنه يعلم ما في غدٍ فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [سورة لقمان: 34]، ومن حدّثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [سورة المائدة: 67] الآية، ولكنه رأى جبريل ال في صورته مرتين»، فعائشة عرضت ما ظنّه بعضُ الناس ورَوَوْهُ من رؤية محمد، لربّه أو أنه يعلم الغيب، أو أنه كتم بعض حي، فعرضت كل ذلك على القرآن الكريم، وحكمت عليه بالكذب وردّته. (2) أخرج مسلم في صحيحه أنه "ذكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم أبا عبد الرحمن سمع شيئا فلم يحفظه، إنما مرّت على رسول الله جنازة يهودي، وهم يبكون عليه، فقال: «أنتم تبكون، وإنه ليعذب»، وفي رواية قالت عائشة: «يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما أنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ»، وفي رواية أخرى قالت عائشة: «أما والله ما تحدّثون هذا الحديث عن كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ»، وزادت في رواية أخرى: «حسبُكم القرآن وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [سورة
3
الله
1
2
1597
ص
182
الهادي روشو التونسي، مختلف الحديث وجهود المحدثين فيه - دراسة نقدية، ط 1، دار ابن حزم، بيروت، 2009 م، صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن سورة، والنجم، ح 4577؛ وبلفظ قريب منه: الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، باب 10 في ذكر الشرك والكفر، ح 61؛ مرجع سابق، ص 43، وكذا في باب 5 السنة في التعظيم الله، ح:824، ص 309 - 310. صحيح مسلم، کتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ح: 1599، وبلفظ قريب في: الجامع الصحيح مسند الربيع بن كتاب الجنائز، باب 20 في الْقُبُورِ، ح 483، مرجع سابق، ص 195. السنن الصغرى للنسائي، كتاب الجنائز، النياحة على الميت، ح: 1844؛ صححه
3
4
5
ح
الألباني.
77