الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٩٨

إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر، بل بما استشعرته من معارضة القرآن، فهي تسعى دوما إلى توجيه لفظ الحديث إلى صيغ منسجمة مع النصّ القرآني؛ رافضةً الصيغة الواردة بما يخالف القرآن، ويبدو أنها تستحضر في ذلك ما يعتري لفظ الحديث عند تداوله وتناقله مشافهة بالمعنى من تبدل وتحوّل على لفظه ومعناه، فتوجهه التوجيه السليم الموافق للكتاب.

ومما تجدر الإشارة إليه أنَّ ردّ عائشة لا لا ل له لبعض رواياتِ الصحابة لا يعني أبداً ردًّا لقول المصطفى، وإنما هو رد لقول منسوب إلى النبي اعتقاداً منها بخطأ الراوي أو نسيانه أو وهمه في لفظ الحديث؛ وذلك لما وجدت من تعارض بينه وبين فهمها للنص القرآني؛ فالمسلك الذي سلكته أم المؤمنين عائشة شاهد معتبر لمحاكمة

211

الحديث صحيحه وسقيمه إلى نصوص الكتاب الحكيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، فحق لها أن تكون أبرز أنموذج من السلف الصالح في تطبيق مقياس العرض.

5) أخرج مسلم حديث فاطمة بنت قيس: "أن رسول الله لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفَّا من حصى فحصبه به فقال: ويلك تحدّث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السُّكنى والنفقة قال الله وَ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [سورة الطلاق: 1]، فعمر بن الخطاب ردّ رواية فاطمة؛ لما استقر لديه من مخالفتها لمفهوم الآية، وهذا يدلّ على أنه يعتدّ بقاعدة العرض ويعمل بها.

5

31

(6) عن ابن عباس أنه قال: "إذا حدّثتكم عن رسول الله له حديثا فلم تجدوا تصديقه في كتاب الله، ولم تجدوه في أخلاق الناس حسنا، فأنا به كاذب"، فهو يضع ميزاناً لنقد حديثه وهو مقياس موافقة القرآن الكريم ومبادئ الأخلاق؛ وقد تابعه في ذلك تلميذه سعيد بن جبير (ت 95 هـ)، حيث قال: كنتُ لا أسمع بحديث عن رسول الله الله على وجهه إلا وجدتُ مصداقه أو قال تصديقه في القرآن فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يسمع من هذه الأمة، ولا يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بما أُرسلتُ به إلا دخل النار»، فجعلت أقول: أين مصداقها؟ حتى أتيت على هذا أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ [إلى قوله وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ

بي

أحد

1

2

3

ابن

حجر، فتح الباري، مرجع سابق، 154/ 3.

23،

محمد الغزالي، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، مرجع سابق، ص صحيح مسلم، کتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، ح: 2797، قال ابن حجر: "الدارقطني قال: قوله في حديث عمر: 'وسنة نبينا' غير محفوظ، والمحفوظ الا ندع كتاب ربنا، وكأنّ الحامل له على ذلك أن أكثر الروايات ليست فيها هذه الزيادة"؛ فتح الباري، 481/ 9.

4 نوال بنت حسن الغنام، استدراكات الصحابة في الرواية دراسة حديثية، ط 1، مكتبة الرشد، الرياض، 2010 م، 578/ 2. 5 أخرجه: ابن حجر العسقلاني، المطالب العالية، كتاب العلم، باب تصديق القرآن للسنة، ح: 3136؛ وقريب من لفظه: عبد الرزاق الصنعاني، الأمالي في آثار الصحابة الصحابة والحديث عن الرسول، ح:188.

79