حروف المعاني المفردة وأثرها عند الفقهاء والأصوليين
الجزء ١ · صفحة ١٠العدد 59 ابريل لسنة 2025
المجلة العلمية بكلية الآداب
وهذه الحروف غير مرادة في تقسيم الكلام عند النحاة فهي لا تدل على معنى إلا بتركيبها تركيبًا تنتقل به من التهجي إلى أحد أقسام الكلام الثلاثة أو الأربعة بناء على الخلاف المشهور في تقسيم الكلام عند النحاة الأوائل (1). وعليه فلا بد أن نعلم أن المقصود بهذا التعريف هو حروف المعاني لا المباني المسماة
حروف الهجاء، وقد اختلف النحاة في الحاجة إلى تعريف هذه الحروف وضابط حدها: فقيل: لا تحتاج إلى حد؛ لأنها محصورة وما كان محصورا فلا حاجة إلى تعريفه فالحصر مغن عن التعريف.
(2).،
ويناقش: بأن الحروف كثيرة أوصلها بعضهم إلى مئة ونيف، وبعض ما ورد عن العرب مختلف في حرفيته واسميته كـ (من) بضم الميم - أو حرفيته وفعليته كـ (ليس) ووضع حد لها
يضبط الباب.
وقال أكثر النحاة بتعريف الحرف، ومما قيل:
(3)
1 - الحرف: ما دل على معنى في غيره. واعترض عليه بأن الحروف الزائدة لا تدل على معنى في غيرها.
ويناقش بأنها لها معنى التأكيد والتقوية، فقولك: "ما جاءني أحد" يختلف عن قولك: "ما جاءني من أحد".
2 - وقال الفارسي: ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل، نحو لام الجر وبائه" (4). والظاهر أن هذا التعريف مأخوذ من نص سيبويه في الكتاب إذ يقول: "وأما ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل فنحو: ثُمَّ، وسَوْف، وواو القسم ولام الإضافة، ونحوها (5). وناقشه ابن يعيش فقال: وقولهم ما دل على معنى في غيره أمثل من قول من يقول: ما جاء لمعنى في غيره؛ لأن في قولهم: ما جاء لمعنى في غيره إشارة إلى العلة، والمراد من الحد الدلالة على الذات لا على العلة التي وضع لأجلها، إذ علة الشيء غيره" (6).
والصحيح ما ذهب إليه ابن يعيش من ترجيح هذا التعريف وهو أضبط ما قيل في تعريفه؛ ذلك أن الحرف من جنس الكلام، فهو كلمة، وهو يدل على المعاني في تركبه مع غيره، غير أن هذا التعريف يوحي بأنه لا يدل على معنى في نفسه، وهذا فيه نظر، ولا أظنه مقصود النحاة، فمعلوم أن لهذه الحروف معاني في ذاتها، لكن المقصود أن معانيها لا تظهر إلا من خلال السياق فمثلا: حرف (من) الجار له معاني عدة كالتبعيض وبيان الجنس وابتداء الغاية والتأكيد وغيرها، وهذه المعاني إنما تعرف من خلال السياق، فكل معنى من معاني (من) إنما نعرفه من خلال تركيبها مع غيرها في الكلام، ومن أمثلة ذلك:
(1) سيبويه، الكتاب 121، ابن، عقيل شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، 271
(2) المرادي، الجنى الداني في حروف المعاني (ص 20).
(3) الفاكهي، شرح كتاب الحدود في النحو (ص 102)، ابن الحاجب، أمالي ابن الحاجب، (1/ 310).
(4) أبو علي الفارسي، الإيضاح العضدي (ص 8).
(5) سيبويه، الكتاب، 12/ 1.
(6) ابن يعيش، شرح المفصل للزمخشري، 447/ 4.
1764