حروف المعاني المفردة وأثرها عند الفقهاء والأصوليين
الجزء ١ · صفحة ١١العدد 59 ابريل لسنة 2025
المجلة العلمية بكلية الآداب
1. . قوله تعالى: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ … [البقرة: 249]
2. قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
[الإسراء: 1]
قولك: ما جاءني من أحد.
يُلحظ أن حرف (من) دل على معاني مختلفة تعرف من خلال السياق التركيبي، فدل في المعنى الأول على التبعيض؛ فالشرب من بعض النهر لا كله، ودل في الثاني على ابتداء الغاية المكانية؛ فالإسراء بدأ من المسجد الحرام، ودل في الثالث على استغراق النفي وتأكيده، ويسميه المعربون في القرآن صلة تأدبا عن القول بالزيادة في القرآن، ويعجبني أن يسمى بحرف التقوية والتأكيد لا الصلة، فلا معنى للصلة فيها وإنما التوكيد وتقوية المعنى كقوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [فاطر: 3].
وللسياق أثر كبيرة في فهم اللغة سواء تعلق ذلك بالحروف كما في موضع البحث أو في الاشتقاق أو الدلالة المعجمية، فمثال الاشتقاق قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45] نفهم من خلال السياق أن الحجاب ساتر لا مستور، ولكنه عبر باسم المفعول، وعدل بذلك عن اسم الفاعل، وهذا العدول والانزياح جاء لدلالة بلاغية، ومثال الدلالة المعجمية قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج: 52]، فالكلمة (تمنى) لها معان معجمية منها القراءة؛ لذلك فسر بعض العلماء
التمني هنا بالقراءة. (1) عدد حروف المعاني
(3)
اختلفت المصادر النحوية في عدد حروف المعاني فمنهم من جعلها ثلاثة وسبعين حرفًا ((2)، ومنهم من ذكر خمسة وتسعين حرفًا كالمالقي في رصف المباني، ومن النحاة من زاد على مئة حرف كما فعل المرادي في الجني الداني
والذي يبدو لي أن بعض تلك الحروف من باب تعدد اللهجات أو اللغات لذات الكلمة فتكلمت قبائل العرب بها بلهجات مختلفة، وإذا جمعنا تلك اللهجات وضممناها إلى بابها لنقص عدد حروف المعاني عما قيل، ولست في صدد البحث والتقصي في عدد الحروف فهذا مما يطيل البحث، وخلاصة الأمر أنها تصل في بعض القول إلى مئة ونيف.
المطلب الثاني: مصادر حروف المعاني
لا شك أن المصدر الأول لحروف المعاني هو السماع، فنقل النحاة ما سمعه عن العرب فليست محلا للاستنباط والقياس، ولم تكن الحروف تفرد في مصنفات مستقلة في بداية التأليف النحوي، وإنما كانت ضمن كتب النحو العامة؛ لذلك يمكن تقسيم كتب الحروف إلى قسمين:
(1) الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، 18/ 667. (2) المرادي، الجنى الداني في حروف المعاني، (ص 28). (3) المالقي، رصف المباني في شرح حروف المعاني، (ص 28).
(4) المرادي، الجنى الداني في حروف المعاني، (ص 28).
1765