حروف المعاني المفردة وأثرها عند الفقهاء والأصوليين
الجزء ١ · صفحة ١٨العدد 59 ابريل لسنة 2025
المجلة العلمية بكلية الآداب
و استدلوا بالقياس، فكما لا تنوب حروف النصب مكان بعضها، وكذا حروف الجزم فلا تنوب حروف الجر مكان بعضها (1). المذهب الثاني: يرى أكثر الكوفيين وبعض المتأخرين أن حروف الجر تتناوب في
معانيها (2).
وممن ذهب إلى ذلك ابن قتيبة، فقد جعل بابًا لتناوب الحروف سماه: «دخول بعض الصفات مكان بعض» وعدد فيه جملة من حروف الجر التي يناوب بعضها مكان بعض (3). وممن قال بالتناوب الزجاجي في حروف المعاني (4)، وابن مالك فى شرح الكافية الشافية (5). واستدلوا بشواهد كثيرة حملوها على هذا الباب منها:
قول متمم بن نويرة الصحابي اليربوعي: 1 - فَلمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا لِطُولِ اجْتِمَاعِ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا (6) والشاهد: مجيء اللام بمعنى «مع» في قوله: (لطول اجتماع). 2 - قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي، وقيل لغيره:
الشاهد
فَلَثَمْتُ فَاهَا آخِذًا بِقُرُونِهَا شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الْحَشْرَجِ (7) مجيء الباء بمعنى «من» في قوله: (ببرد ماء).
3 - قول أبي ذؤيب الهذلي:
شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتَى لُجَجِ خُضْرٍ لَهُنَّ نَيْيْجُ (1)
الشاهد مجيء الباء بمعنى (من) في قوله: (بماء البحر). المذهب الثالث: توسط بعض النحويين في القضية فلم ير إطلاق التناوب مطلقًا كما فعل الكوفيون ولم ير رفضه مطلقًا، كما فعل البصريون، ومن أولئك ابن جني، حيث قال في باب استعمال الحروف بعضها مكان بعض:
هذا باب يتلقاه الناس مغسولاً ساذجًا من الصَّنعة، وما أبعد الصواب عنه وأوقفه دونه. وذلك أنهم يقولون: إن «إلى» تكون بمعنى مع. ويحتجون لذلك بقول الله سبحانه: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ
(1) ابن هشام، مغني اللبيب (ص 150 - 151).
(2) ابن هشام، مغني اللبيب (ص 151).
(3) ابن قتيبة، أدب الكاتب (ص 506).
(4) الزجاجي، حروف المعاني والصفات، (ص 47).
(5) ابن مالك، شرح الكافية الشافية، (8012 - 802)، الأشموني، شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، (2)
218)، البغدادي، خزانة الأدب (272/ 8).
(6) البيت من الطويل من قصيدة لمتمم بن نويرة الصحابي اليربوعي يرثي أخاه مالكًا. ينظر: الأشموني، شرح الأشموني (218/ 2)، البغدادي، خزانة الأدب (8/ 272).
(7) البيت من الكامل، وهو منسوب إلى عدد من الشعراء؛ منهم عمر بن أبي ربيعة، وقيل: لجميل بن معمر، وقيل: لعبيد بن أوس الطائي ينظر: ابن مالك، شرح تسهيل الفوائد، (1523)، المرادي، الجنى الداني (ص) (44)، وابن هشام، مغني اللبيب (ص 143).
(8) البيت من الطويل، وهو لأبي ذؤيب الهذلي. ينظر: البغدادي، خزانة الأدب (97)، ابن هشام، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، (6/ 3).
1772