حروف المعاني المفردة وأثرها عند الفقهاء والأصوليين
الجزء ١ · صفحة ١٩العدد 59 ابريل لسنة 2025
المجلة العلمية بكلية الآداب
الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: 52] أي: مع الله ويقولون: إن «في» تكون بمعنى «على»، ويحتجون بقوله عز اسمه: اسمه وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] أي: عليها … ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا، لكنا نقول: إنه يكون بمعناه في موضع دون موضع على حسب الأحوال الداعية إليه، والمسوغة له، فأما في كل موضع وعلى كل حال فلا (1). ويذهب ابن السراج إلى أن الضابط في ذلك هو تقارب معاني الحروف فقال: "فإذا تقارب الحرفان فإن هذا التقارب يصلح لمعاقبة، وإذا تباين معناهما لم يجز، ألا ترى أن رجلًا لو قال: مررت في زيد أو: كتبت إلى القلم، لم يكن هذا يلتبس به، فهذا حقيقة تعاقب حروف الخفض، فمتى لم يتقارب المعنى لم يجز (2). وقد ناقش الباحث هذه القضية بالتفصيل في كتابه (قطب الأئمة وآراؤه النحوية) ورسالة محكمة بعنوان (حكم التناوب في حروف المعاني الجارة عند النحويين وأثرها في التفسير نماذج
من تيسير التفسير والهميان للقطب) (4).
ثانيا: تناوب الحروف عند الأصوليين:
(3)
يرى جمهور الأصوليين ومنهم السالمي أن تناوب حروف المعاني إنما هو من باب المجاز الإفرادي، فالحروف لها معنى واحد فقط، وأما غيره من المعاني فإنما هي من باب المجاز، واستدلوا بأن القول بدلالتها على أكثر من معنى مؤد إلى الاشتراك، والأصل عدم الاشتراك، وسيأتي معنا الكلام عن ذلك في معاني هذه الحروف معهم، وقسموا هذه الحروف إلى حقيقة ومجاز. (5)
وذهب الرازي والتفتازاني وصدر الشريعة إلى نفي المجاز الإفرادي في الحروف، وقالوا بأن المجاز فيها تركيبي (6)، ويريد الأصوليين بالمجاز الإفرادي دلالة الكلمة ذاتها على معنى آخر دون النظر إلى التركيب كإطلاق الأسد على الرجل الشجاع، وأما التركيبي فدلالتها على المعنى المراد بالتركيب أي هو الواقع في الألفاظ المركبة. (2) ونسب إلى الرازي نفي المجاز في الحرف مطلقا أصالة أو تبعا، وهذه نسبة غير دقيقة (8)، ويبدو لي أن الرازي أجاز أن يكون من المجاز التركيبي كما يفهم من كلامه حيث قال:" فقال "أما الحرف فلا يدخل فيه المجاز بالذات؛ لأن مفهومه غير مستقل بنفسه، بل لا بد أن ينضم إليه
(1) ابن جني، الخصائص (2/ 310).
(2) ابن السراج، أصول النحو (1/ 414).
(3) الكتاب منشور في مكتبة نور، رابط الموقع.
(4) ينظر: مجلة الجنان، بيروت، لبنان جامعة الجنان، 2021 م رابط.
(5) السالمي، طلعة الشمس، 2/ 861.
(6) الرازي، المحصول، 3281، أمير، بادشاه تيسير التحرير، 632، التفتازاني، شرح التلويح على
التوضيح، 1/ 186.
(7) الطوفي، شرح مختصر الروضة، 1/ 533 - 534.
(8) الكوراني، الدرر اللوامع شرح جمع الجوامع، 96/ 2
1773