حروف المعاني المفردة وأثرها عند الفقهاء والأصوليين
الجزء ١ · صفحة ٢٠العدد 59 ابريل لسنة 2025
المجلة العلمية بكلية الآداب
شيء آخر لتحصل الفائدة فإن ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه فهو حقيقة فيه وإلا فهو مجاز في المركب لا في المفرد (1)
التناوب بين رأي اللغويين والأصوليين
يظهر للباحث أن اللغويين والأصوليين متفقون على تعدد معاني الحرف الواحد غير أنهم مختلفون في تخريج هذه الدلالة، فيرى جمهور الأصوليين أن دلالة الحروف على هذه المعاني مجاز بطريق الأصالة.
بينما يرى البيانيون وبعض الأصوليين أنها دالة عليها بطريق التبعية (2). ويقصدون بالتبعية أن دلالة الحروف على معانيها إنما هو من باب التعلق (3) ولو كانت دالة بنفسها لكانت أسماء لا حروفا، فدلالة (من) على الابتداء إنما أخذت من المتعلق فتجري الاستعارة - أولا - في المتعلق، ثم في الحرف (4) واختلفوا في المتعلق أهو المجرور بالحرف أو المعنى العام. (5) ويرى النحويون البصريون عدم تناوب حروف المعاني كما تقدم، وما ورد فمقصور على السماع، ودلالتها على تلك دلالة التضمين، والتضمين إشراب الحرف معنى حرف آخر وكذا في الأفعال؛ لذلك قالوا بني (أين) لتضمنه معنى الاستفهام. (6) والتضمين نوع من المجاز أيضا، فليس حقيقة، ويبقى السؤال أهو من المجاز الإفرادي على مذهب جمهور الأصوليين أو التركيبي على مذهب البيانيين وبعض الأصوليين؟ الأظهر أنه على مذهب البيانين، فالحرف كما يقول أهل النحو ما دل على معنى في غيره لا في نفسه، فدلالته لا تظهر إلا بتركيبه مع غيره، فلئن كان هذا في دلالته الحقيقة فكيف بدلالته
المجازية.
وأما الكوفيون ومن وافقهم فيرون أن تناوب حروف المعاني قياسي كما تقدم، ويبقى السؤال هل يعني هذا أن دلالتها على تلك المعاني حقيقة، سواء كانت حقيقة عرفية أم لغوية وهم بذلك يخالفون البيانيين والبصريين والأصوليين؟ هذا هو الظاهر. وينقد هذا بأنه يقود إلى القول بالاشتراك، والأصل عدم الاشتراك، وأيضا فإن الأصل في اللفظ المشترك دلالته على كل معانيه دفعة واحدة، وإنما يفرق بينها بالقرنية عند القائلين بالاشتراك، وهذا الحروف لا تدل على هذه المعاني دفعة واحدة؛ لأن الحرف له معنى أساسي في الاستعمال، ومعاني أخرى تظهر من خلال السياق وعليه فقولهم لا يخرج عن قول عامة الأصوليين والنحويين بأنه من باب المجاز، ويبقى الفرق بين مذهبهم ومذهب البصريين أن المجاز فيها عند البصريين سماعي وعند الكوفيين قياسي.
(1) الرازي، المحصول، 328/ 1.
**
(2) السالمي، طلعة الشمس، 1/ 417، التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، 1/ 186. (3) أمير بادشاه، تيسير التحرير، 63/ 2، التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، 1/ 186.
(4) الكوراني، الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع، 972.
(5) المرجع السابق، 97/ 2 - 98.
(6) ابن الحاجب، أمالي ابن الحاجب، 2/ 826.
1774