حروف المعاني المفردة وأثرها عند الفقهاء والأصوليين: معارج الآمال وطلعة الشمس أنموذجًا أحمد بن عبيد التمتمي

حروف المعاني المفردة وأثرها عند الفقهاء والأصوليين

الجزء ١ · صفحة ٣١

العدد 59 ابريل لسنة 2025

المجلة العلمية بكلية الآداب

2 - أن السماع قاض بعدم دلالة الواو على الترتيب ومن ذلك: أقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] مع قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [الأعراف: 161] فلو قيل بأن الواو للترتيب لكان القرآن متناقضا وهذا لا يجوز. بقوله تعالى فيما حكاه عن منكري الآخرة: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا [الجاثية: 24] فلو كانت الواو تفيد الترتيب لكانوا مقرين بالبعث واليوم الآخر.

ج- قوله تعالى: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] ومعلوم أن الركوع قبل السجود.

د - ومن كلام العرب قول النابغة الجعدي

أُغلي السِّباءَ بِكُلِّ أَدْكَنَ عاتِقِ … أو جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وَفُضَّ خِتَامُها

قال ابن يعيش والجونة: الخابئة المطلية بالقار. وقدحت غرفت، وقيل: مزجت، وقيل: بزلت. وفض ختامها: أي كسر طينها. ومعلوم أنه لا يُقَدَح إلَّا بعد فض ختامها. مع أنا نقول: إنها لو كانت الواو للترتيب؛ لكانت كالفاء، فلو كانت كالفاء؛ لوقعت موقعها في الجزاء، وكان يجوز أن تقول: "إن تُحسِنْ إليّ واللهُ يُجازيك"، كما تقول: "فالله يجازيك". فلما لم يجز ذلك؛ دلّ على ما قلناه (1).

- أن قولك جاء زيد وعمرو يحتمل أحد أمرين أن يكون زيد جاء قبل عمرو أو أن عمرا جاء قبل زيد، وهذه احتمالات عقلية لا دليل عليها فلا تدل الواو على الترتيب، وإلا لكان ترجيحا من غير دليل.

- الاستقراء: قالوا: إن المتأمل لاستعمالات الواو يجد أنها تأتي في مواضع لا يصح حلمها فيها على الترتيب، ومن ذلك ما دل على المشاركة نحو: اختصم زيد وحسن، وتشارك محمد وعلي، وهذا يدل على أنها لمطلق الجمع لا للترتيب.

والصحيح ما ذهب إليه الجمهور فلا دلالة في الآيتين على الترتيب؛ إذ نجد القرآن يذكر اللاحق قبل السابق مع الواو تارة كما تقدم، ويرتب تارة أخرى، فدل هذا على أن الواو لا يقصد بها الترتيب، وإنما المعنى بحسب السياق الذي تأتي فيه الآيات القرآنية. ولم يثبت عن العرب أنهم استعملوا الواو في الترتيب.

وقد ترد الواو في مواضع يمتنع فيها الترتيب كالصيغ الدالة على الاشتراك نحو تخاصم زيد وعمرو، واشترك محمد وعلي، فهذه مما يستحيل معها الترتيب؛ لأن الأفعال هنا لا تكون من واحد حتى يقال بالترتيب (2).

(1) ابن يعيش، شرح المفصل للزمخشري، 5/. (2) ابن يعيش، شرح المفصل، 7/ 5.

1785