حكم التناوب في حروف المعاني الجارة عند النحويين وأثره في التفسير
الجزء ١ · صفحة ١٤لغة عربية
وفي مكة، وإنما جازا معًا لأنك إذا قلت: فلان بموضع كذا وكذا. فقد خبرت عن اتصاله والتصاقه بذلك الموضع، وإذا قلت في موضع كذا فقد خبرت «بفي» عن احتوائه إياه وإحاطته به، فإذا تقارب الحرفان فإن هذا التقارب يصلح لمعاقبة، وإذا تباين معناهما لم يجز، ألا ترى أن رجلا لو قال: مررت في زيد أو كتبت إلى القلم، لم يكن هذا يلتبس به، فهذا حقيقة تعاقب حروف الخفض، فمتى لم يتقارب المعنى لم يجز» (33).
وهذا الرأي الأخير هو أقرب الآراء للصواب فلا يرفض التناوب مطلقًا من حيث المبدأ لوروده في السماع ولا يطلق الأخذ به؛ لأن الإطلاق يقود إلى الاشتراك، والأصل عدم الاشتراك.
المبحث الثالث: نماذج من تيسير التفسير و «الهميان»
قوله تعالى: (وَلَأُصَلْبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]
اختلف المفسرون في معنى (في) في الآية، فمنهم من قال: هي على ظاهرها، ومنهم من جعلها
(36)
(37)
بمعنى (على) وهو قول أبي عبيدة (34)، والفراء (35)، والزجاج)، وعبد القادر الجرجاني وغيرهم.
واحتجوا بقول الشاعر:
وَهُم صلبوا العبدي في جذع نَخْلَة فلا عطست شيبان إلا بأجدعا (28)
وممن ذهب إلى هذا القول القطب في التيسير والهميان، ولم يقتصر القطب في جعل (في) بمعنى (على) بل يبين العلاقة بينهما فرأى أنها من باب الاستعارة. قال في التيسير: وَلَأُصَلَبَنَّكُمْ» شدد مبالغة فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) أي عليها من ظاهرها بلا حفر فيها، شبه إدخالهم فيها مدة طويلة، جعلهم في داخلها لجامع التمكن استعارة أصلية، واستعارة (في) من جانب المشبه به لمعنى على من جانب المشبه تبعية، وقيل: حفر لهم في الجذوع، أو أراد الحفر فلا استعارة، وهو بعيد، ونص القطب في تفسيره هميان الزاد على أن علاقة التناوب بين الحرفين
(39)
33 - ابن السراج، أصول النحو (1/ 414).
34 - أبو عبيدة، مجاز القرآن (2/ 123). 35 - الفراء، معاني القرآن (2/ 186).
36 - الزجاج، إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج (المتوفى: (311 هـ معاني القرآن وإعرابه، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، بيروت، ط 1، 1408 هـ، 1988 م (3/ 368).
37 - الجرجاني، عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني (المتوفى: 471 هـ) دَرْجُ الدرر في تفسير الآي والسُّوَر، حقَّقَ القسم الأول: طلعت صلاح الفرحان، وحقق القسم الثاني: محمد أديب شكور أمرير، دار الفكر، عمان، الأردن (3/ 1199).
38 - البيت من الطويل، وهو لسويد بن أبي كاهل في ملحق ديوانه (ص 45).
39 - أطفيش، امحمد بن يوسف، قطب الأئمة (ت: 1332 هـ) تيسير التفسير، تحقيق: إبراهيم بن محمد طلاي، ط 2، 1439 هـ - 2018 م (9/ 193).
الجنان
AI JINAN
488