العلاقة بين الإيمان ووحدة الأمة
الجزء ١ · صفحة ٥٢الفصل الثاني منهجية تحقيق وحدة الأمة
الإسلامية إلى طور القيصرية الذي يسوده عامل العقل، وتزينه الأبهة، والعظمة في الوقت الذي بدأت فيه بوادر الفتور الدالة على أفول الروح، وهذا المنعطف الحضاري الذي تمثل في استيلاء الأمويين على الحكم هو منعطف العقل، لكن هذا «العقل لا يملك سيطرة الروح على الغرائز … كما أنّه كفّ المجتمع عن ممارسة ضغطه على الفرد»، وفي هذه المرحلة امتدّ اشعاع الفكرة الدينية باتساع رقعتها الجغرافية بما تبقّى لديها من مخزون روحي، وبرزت في هذه المرحلة أسماء أضاءت تاريخ المعرفة الإنسانية وبدأ العلم في تلك الحقبة ينتشر بفضل أساتذة سطعت أسماؤهم في جوّ المعرفة كالفارابي وابن سينا وأبي الوفا وابن رشد .. إلى ابن خلدون الذي أضاءت عبقريته غروب الحضارة الإسلامية في نهايتها، إلا أن هذه الحضارة الممتدّة اختل فيها التوازن الروحي والمادي الذي بناه القرآن في المجتمع الإسلامي الأوّل - أي مرحلة الروح - يقول: «ومع ذلك فإن هذه الحضارة ليست ـ من الناحية العضوية التاريخية التي تهمّنا - سوى صورة مشوهة عن البناء الأصلي الذي شاده القرآن والذي قام على أساس من التوازن بين العقل والروح، أي على الأساس المزدوج الروحي والمادي، الضروري لكل بناء اجتماعي أُمِّلَ للخلود
4
مرحلة الغريزة: وهي بعد عصر ابن خلدون، أو بعد سقوط الدولة الموحدية، ومالك بن نبي في تحليلاته الحضارية يرمز لإنسان هذه المرحلة ـ إنسان ما بعد الموحدين -، ففي هذه المرحلة انحدر منحنى الحضارة الإسلامية إلى القاع وفقدت الفكرة الدينية ألقها وتوهّجها الحضاري، فبرز الإنسان المنحل المفكّك، اجتماعيا، القابل للاستعمار تجذبه طينيته إلى الأرض ومعه انطفأ مصباح الحضارة الإسلامية في التاريخ وإذا نظرنا إلى هذا الوضع نظرة اجتماعية، وجدنا أن جميع الأعراض التى ظهرت في السياسة أو في صورة العمران لم تكن إلا تعبيرا عن حالة مرضية يعانيها الإنسان الجديد - إنسان ما بعد الموحدين - الذي خلف إنسان الحضارة الإسلامية، والذي كان يحمل في كيانه
له
جميع الجراثيم التي سينتج عنها في فترات متفرقة جميع المشاكل التي تعرض لها العالم الإسلامي منذ ذلك الحين. فالنقائص التي تعانيها النهضة الآن، يعود وزرها إلى ذلك الرجل الذي لم يكن طليعة في التاريخ، فنحن ندين بمواريثنا الاجتماعية، وبطرائقنا التقليدية التي جرينا عليها في نشاطنا الاجتماعي، ليس ذاك فحسب بل إنه يعيش إلى الآن بين ظهرانينا، وهو لم يكتف بدور المحرك الخفي الذي دفعنا إلى ما ارتكبنا من خيانة لواجبنا، وأخطاء في حق نهضتنا، بل لقد اشترك معنا في فعلنا، ولم يكتف بأن بلغنا نفسه المريضة التي خلقت في جو يشيع فيه
التاريخ، من بين هذه الدراسات: محمد بن مختار الشنقيطي، الخلافات السياسية بين الصحابة بين قدسية المبادئ ومكانة الأشخاص، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، 2013، ط 1
1
2
مالك بن نبي، شروط النهضة، المرجع السابق، ص 58
". نفس المرجع، ص 76
3. نفس المرجع، ص 59
4. مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، المرجع السابق، ص
30
40