العلاقة بين الإيمان ووحدة الأمة (كتاب أصول الإيمان: التوحيد ووحدة الأمة نموذجا) الحاج سليمان بن بكير بن حمو العنق

العلاقة بين الإيمان ووحدة الأمة

الجزء ١ · صفحة ٦٢

50

1

الفصل الثاني منهجية تحقيق وحدة الأمة

مستويين في الاعتبار النص المقدّس، والفهم البشري لهذا النّص، أمّا الأوّل فهو مطلق لأنه رسالة الإله (المتعالي عن والمتجاوز لـ الزمان والمكان والأحداث أي كلام الله والثاني نسبي لأنّه فهم بشري (المرتبط بالزمان والمكان والطبيعة ولكنه ارتباط جزئي وليس ارتباط تلاحم والتصاق وتطابق تام به بل هناك جزء آخر دائما يتوق ويتشوّف

ويتطلع إلى الإله المتجاوز من خلال التواصل والحوار معه، وهذا للقبس الإلهي والنفخة الربانية التي بداخله).

الحفاظ على هذه المسافة بين النص الديني في إطلاقيته والفهم البشري في نسبيته القابل للصواب والخطأ، هو ما يحفظ للنص إطلاقيته وللعقل البشري حيويته والذي لا يمكن أن يصل إلى فهم نهائي أبدا، وهذا ما يؤكده المسيري حين يشير إلى أن طريقة التعامل مع النص الديني يجب أن تتسم بحلزونية الحركة في الاجتهاد، وبالانتقال المستمر بين العقل أو الفهم والنص يقول في هذا الشأن: «فإن الاجتهاد (مثل المجاز) يأخذ نفس الشكل: الاتصال بين عقل الانسان والنص، يعقبه انفصال (تجريد النموذج)، ثم يعقبه اتصال (العودة إلى النص للاحتكام إليه)، فهي حركة حلزونية لا متناهية للوصول إلى المعنى ولكن المعنى الذي يتوصل إليه المجتهد ليس معنى نهائيا، إذ تجب عليه العودة دائما إلى النص المقدّس، أي أنّ الاجتهاد يأخذ شكل حركة حلزونية منفتحة»،.

هذا الشكل الحلزوني لحركة الاجتهاد نجده كذلك عند الدكتور بابا عمي نفسه في كتاب آخر غير هذا الكتاب الذي نحن بصدد تحليله حيث يقول: إن النسبية والقابلية للدحض والنقض هي السمة الأساسية للنموذج المعرفي البشري، والحاجة إلى نموذج شامل méta-modèle) في سياق الأيديولوجيات البشرية (ماركسية، حداثة، … ) هي ذات أفق إنساني، أمره بيد الإنسان كلية فهو لا يستدعي جهة أعلى منه، ولا يقبل وحيا يملى عليه ولكن ضمن سياق معرفي مرتبط بالسماء مؤمن بالوحي في رؤيته الكونية، تصبح المسألة أكثر تعقيدا، بخاصة في السؤال عن الحد الفاصل بين الرباني والبشري، بين السماوي والأرضي، بين الوحي وتفسير النموذج الشامل يتجاوز التجربة الفردية لأي عالم أو حركة مهما كان مستواها، ومهما بلغ أثرها

الوحي ومداها، فالنموذج الشامل يولد عند اجتماع الأمة على فهم النص، وعلى تنزيل الحكم، وعلى معالجة الواقع بناء على نموذج قابل للاتفاق والاجتماع. وهو طبعا مؤسس على كلام الله تعالى وعلى سنة نبيه الكريم، وعلى سيرته عليه الصلاة السلام، بل حتى حين نقول إن النموذج الشامل موجود وهو نموذج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قبل ذلك النموذج المستنبط من القرآن الكريم، فإننا سنقع في مساحة من الاتفاق ومساحة أخرى من الاختلاف،

وبينهما تداخل:

في هذه العبارة المسيري لم يفرّق بين النصوص المقدّسة، من قرآن أو إنجيل أو توراة إلخ، وإنما جعلها في نفس الرتبة من حيث المصدرية أو - على الأقل هذا ما يظهر لنا لأوّل وهلة - وإلا فإنّه عندما يشرع في التفصيل والإسهاب، يظهر ولاؤه وانتماؤه وتحيّزه للثقافة العربية الإسلامية، وللقرآن الكريم من خلال ضرب الأمثلة.

2. عبد الوهاب المسيري، اللغة والمجاز، المرجع السابق، ص

161