السيرة النبوية في العهد المكي: مراجعة معرفية وحديثية مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

السيرة النبوية في العهد المكي

الجزء ١ · صفحة ١٩

العبرة:

من مجموع الروايات السابقة لا نجد إلا الرواية الأولى التي ثبت تصحيح العلماء لسندها، بخلاف بقية الروايات المتعلّقة بالانتقال بين الأصلاب أو بارتجاس إيوان كسرى أو بالاعتماد على يديه عند الولادة، فهذه كلّها يعتريها الضعف أو تحسب من الأخبار الموضوعة.

وإذا دققنا في فحوى هذه الروايات نجدها تعرض الرسول في صورة لا تتوافق مطلقا مع مع ما وضحه الله لنا في كتابه بأنّه ليس إلا بشرا، يقول تعالى: "قل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى آ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمُ إِلَهُ وَاحِدٌ" (سورة فصلت: 06)، علما أن هذا الوصف الأخير في القرآن بصيغة الحصر والتوكيد "إنما أنا بشر" يقتضي خلع كلّ وصف له في ولادته ينمّ عن خروقات عجيبة، أو إرهاصات تجعل الإنسان العادي يرى فارقا بينه وبين رسوله الذي أمره ربّه بالاقتداء به حينما قال عنه: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ، لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا" (سورة الأحزاب: 21).

وإذا رجعنا إلى الرواية الأولى التي صححها بعض العلماء فلا نرى حتمية حملها على ظاهرها، على اعتبار أن أم الرسول رأت كأنه خرج منها نور أضاء منه قصور الشام، وذلك لعدة اعتبارات منها: - لم يرد بصيغة الجزم، وإنّما أظهر أنّ أمّ الرسول لا اله الحامل رأت كأنه خرج

منها نور، من دون أن تجزم بأنها رأت نورا.

- قضيّة العسر الذي يعترض الحامل عادة قرب مخاضها، ويثقل عليها

حالها، مما يجعلها في حالة غير طبيعية.

15