السيرة النبوية في العهد المكي
الجزء ١ · صفحة ٢٠- تُعد الإرهاصات بمثابة معجزات سابقة لأوانها، ونحن نعلم أنّ من شروط
المعجزة أن تكون على يدي مدّعى النبوّة، وتثبت بواقعيّتها أثناء الأداء، أو يتم خبرها بنص شرعي توفّرت فيه كل شروط النقل الصحيح، مثلما هو حال مريم عليها السلام، حينما حكى الله عنها حالها فقال: "إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَحِيهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ" (سورة آل عمران: (45)، فالألفاظ والمعاني الواردة في الآية كانت صريحة ومباشرة لا تحتمل تأويلا ولا توجيها، وأوردها الله علينا في كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ غلقا لكل باب من أبواب الاحتمالات.
ولأجل ما مرّ يمكن حمل الحديث الأوّل على غير معناه الظاهري، وذلك على معنى أنّ أمّ الرسول شعرت كأنّ ولدها سيكون له شأن، أو أنها رأت رؤيا استبشرت بها، ولا نرى أي ضرورة شرعيّة ملزمة تقتضي الاعتداد بما ورد في الرواية الأولى بنصها الظاهري دون تأويل لها، وبخاصة وأنها لم ترد في الصحاح ولا في كتب
السنن المتداولة بين أهل العلم، والله أعلم.
16