السيرة النبوية في العهد المكي
الجزء ١ · صفحة ٢٧عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان دائما مَعَ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، يقربه في مجلسه أمام الْكَعْبَةِ على أبنائه (أعمام) الرسول) من صلبه؛ إجْلَالًا لَهُ، واستشرافا بمستقبله،
لما يراه من فطانة وذكاء في حفيده، فيقول لهم: "دَعُوا ابْنِي، فَوَ اللَّهِ إِنَّ لَهُ لَشَأْنَا، ثُمَّ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى الْفِرَاشِ، وَيَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، وَيَسُرَهُ مَا يَرَاهُ يَصْنَعُ)
(1))
إِلَّا أَخَذَتْ
فإذا استصحبنا هذه المعلومات الكثيفة حول الحالة المادية والمعيشية لأسرة الطفل الرضيع، وعلى رأسها ثراء جده الكفيل له، صعب علينا الإقرار بالمبالغات التي ذكرتها كتب السيرة عن يتمه وعلى رأسهم ابن هشام نفسه، فتأتي نسوة من خارج مكة، لرضاع هذا الطفل، فيقلن: "يَتِيمٌ، وَمَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمِّهُ وَجَدهُ، فَكُنَّا نَكْرَهُهُ لِذَلِكَ". ثمّ قالت مرضعته: "فَمَا بَقِيَتْ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِي رَضِيعًا غَيْرِي، وقولها: "وَالله إنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِي وَلَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَالله لَأَذْهَبَنَّ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلَا خُذَنَّهُ. فلن تكون هذه المعلومات في نظري والله أعلم غير مبالغة في تصوير مشهد اليتم، والمسكنة، وإظهار الشفقة والتعلق بحب النبيء من خلال المظاهر المحسوسة وربط أخلاقه وصبره على الحياة بالفاقة والفقر في ريعان شبابه والأكثر إثارة في الموضوع أن تكتب المعلومات بأسلوب حوار ينسب كل قول لصاحبه، مع أنّ الأمر فيه أكثر من مغالطة منا يستدعي مراجعة دقيقة لتراثنا، ووضع آليات فاعلة عند قراءته حتى نستفيد منه، من غير تقديس ولا تدنيس ونجلّي الثابت من المتغيّر، ونميّز الأصل من الفرع، وبهذه النظرة الفاحصة يجب علينا أن نقرأ مواطن الاختلاف بين المسلمين من غير تعصب ولا تشنّج ولا حبّ للتمايز، حتى نكون موضوعيين،
للحقيقة، مما
1 ابن هشام السيرة النبوية، 1/ 168.
23