السيرة النبوية في العهد المكي: مراجعة معرفية وحديثية مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

السيرة النبوية في العهد المكي

الجزء ١ · صفحة ٣٢

عمرو بن العاص يحدّث أنّه سيكون ملك من قحطان، فغضب معاوية. فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالا مِنْكُمْ يُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله، وَلا تُوثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَالأمَانِي الَّتي تُضِلُّ أَهْلَهَا.

فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله له، يَقُولُ: "إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ

إِلَّا كَبَّهُ الله فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ "

(1).

2 - وورد في البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم

اثنان " (2).

وإذا أجرينا تحليلا للحديث الأوّل والثاني، نجد ما يأتي:

- اعترض معاوية على ابن عمرو لأنّ ابن عمرو نبه الناس إلى أنه من الممكن أن يكون المُلك في رجل من قحطان (اليمن)، مع أن ابن عمر بن الخطاب نفسه نسب الملك في الحديث الثاني إلى رجل من قريش، فالروايتان تظهران عند اجتماعهما عدم اختصاص قبيلة دون أخرى بالملك. - يُحمل غضب معاوية على أنّ ابن عمرو نبّه الناس بملك القحطاني في موقف مجيء وفد لمبايعته بالملك، وكأن تذكير ابن عمرو إيَّاه في ذلك الموطن يشكل عائقا، وبخاصة وأنّ الناس في حيرة من يصلح لأن يتزعمهم.

- الإقرار بنص الحديث كاملا بأنه من الصحيح على شرط البخاري، فيه أكثر من إشكال، وعلى رأس ذلك غضب صحابي جليل على آخر مثله، ثم لمز

1) صحيح البخاري كتاب المناقب، باب مناقب قريش، حديث: 3330.

(2) المصدر نفسه، حديث: 3331؛ صحيح مسلم کتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش، حديث: 3480.

28