السيرة النبوية في العهد المكي: مراجعة معرفية وحديثية مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

السيرة النبوية في العهد المكي

الجزء ١ · صفحة ٤٦

ذلك لأنّه قبيل الحديث عن تردّي الرسول الله من شواهق الجبال وردت العبارة التالية: "وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا

أن

غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ". والعبارة فيما بلغنا، توحي الضمير لا يعود إلى الراوي عائشة، وإنما من كلام الزهري، فيصير الحديث بعد هذه اللفظة ليس له حكم المرفوع، وليس من وصف الصحابية، وإنما هي من بلاغات الزهري التابعى الذي لم يدرك، الحادثة ولا ذكر أن أحدا من الصحابة حدثه بها. وعليه فالعبارة مقطوعة الإسناد، ولو أنّها في البخاري. وبناء على ما ذكرنا فالعبارة المتعلقة بالتردّي من شواهق الجبال لا تأخذ حكم الحديث الصحيح على شرط البخاري، ولا تعدّ موصولة، وهي منقولة بدون تثبت مؤكد، وبما أنها تضمّ إشكالا عويصا لا يتقبله مؤمن سليم الطوية، فلا يُعتدّ بها مطلقا، وتُرفض أن تنسب إلى الرسول بأي وجه كان.

ويؤيد هذا التحليل قول ابن حجر عن الموضوع: "ثم إنّ القائل فيما بلغنا هو الزهري ومعنى الكلام: أنّ في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله في هذه القصة. وهو من بلاغات الزهري وليس موصولاً، وقال الكرماني: هذا هو

الظاهر"

(1)

ومع ورود القصة في روايات أخرى، ولو بدون التصريح ببلاغ الزهري، إلّا أنّ علماء الحديث المعاصرين تعقبوها فوجدوها لا ترقى للاحتجاج بها (2). 2 - عند استعمالنا للقاعدة الحديثية التي مفادها "تحديد النص التابع

1) ابن حجر: فتح الباري، ص 12/ 359.

2 موقع الإسلام سؤال وجواب للشيخ محمد صالح المنجد، عنوان الفتوى: روايات هم النبي بالانتحار لا تصح لا سنداً ولا متناً، رقم: 152611.

42