السيرة النبوية في العهد المكي: مراجعة معرفية وحديثية مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

السيرة النبوية في العهد المكي

الجزء ١ · صفحة ٤٨

القضية الثامنة: التسمية بعام الحزن

1 - الأحداث العصيبة في السنة العاشرة من النبوة: كتب الله أن يختبر عزيمة نبيئه محمد بعدة ابتلاءات ومصائب شديدة،

لينصع جوهر نفسيته وليربطه بربه تعالى وحده، ويزيل

عنه

كل أسباب التعلّق بالمؤازرة الدنيوية مع مشروعيتها، لكن من أراد الله له رفعة عليّة فوق كلّ رفعة، ومن أعده ليحمل مشعل هداية العالمين يفترض أن يمرّ بصعاب تنوء بحملها الجبال، ولا يقدر على تحمّلها بسهولة إلّا من أوتي حظا عظيما وصبرا جميلا.

والحمد لله، فإنّ نبيئنا محمدا الذي جعله قدوتنا في السراء والضراء؛ نستأنس بصبره العظيم، ونتشجّع بجهاده المبارك في الحياة، دون أي احتباس في أمر من مصائب الدنيا؛ موت أهل، وفقدان ابن عزيز، وطلاق ابنة ظلما وعدوانا، واضطهاد القوم، فكل هذا مرّ على الرسول وحقق فيه نجاحا باهرا، وأدرك حقيقة ربّه الحيّ الدائم الذي لا يموت وتيقن يقينا واقعيا لا مراء فيه ولا خدش أنّ كل أمر هو من الله وإليه يعود الأمر وحده، وأنّه المشتكى إليه، والملجأ، والمعين. لكن مع نصاعة ردّ فعل رسول الله لمجابهة العواصف، وثباته على نهج الأنبياء عليهم السلام الذين سبقوه في السراء والضراء، عملا بمقتضى قوله تعالى: "أُوْلَئِكَ الذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه"، (سورة الأنعام: 90). فقد وردت عبارة اشتهرت على ألسنة الناس وأطلقت على الأحداث المتتابعة بعد السنة العاشرة للنبوّة، فرغبنا أن نحلّل مصدر تسمية هذه العبارة وندرس ما أطلقه كتاب السيرة لأحداث وفاة عمّه ثم زوجه، ثمّ واقعة الطائف الأليمة بعد ذلك، نظرا لأنّ

6

44