السيرة النبوية في العهد المكي
الجزء ١ · صفحة ٥١الحديث عن مصير الناس، ثمّ إنّ تخصيص عمّه بالنار كأنه تشفّ في حاله، مع علمنا بحبّه الشديد له، حتى شكّل الحدث -حسب كتاب السيرة سنفونية الحزن، ولكن إذا أعدنا قراءة النصوص بالقاعدة المقرّرة في كتابنا هذا، والتي استخلصناها والحمد لله من قراءة كم هائل من الأحاديث ومن مختلف المواضيع، سنصل إلى نتيجة تأخذ بصحة الأحاديث، ولا تقف إشكالا مع ما ورد في شأن الرسول من بشريته، ومن جهله بالغيب إلا ما أطلعه عليه ربّه، وإسقاطا للقاعدة المقرّرة على الأحاديث نصل إلى ما يأتي.
ينتهي
الحديث الأوّل عند طلب رسول الله له لأبي طالب بالتصريح بكلمة
التوحيد عند حضور وجهاء قريش، لتكون له شاهدا عند ربّه في إذلال طواغيت الكفر، بدليل قوله: "كلمة أشهد لك بها عند الله". وما جاء من الحديث الدائر في الدار، فليس له حكم الموصول، ويتطلّب سندا جديدا، ومادام الحوار غير متوفّر على السند، فليس لنا حاجة فيما نسب إلى الكفرة، ولا فيما يكون سببا لنزول آية الهداية مادام معناها واضح وجلي. أما الحديث الثاني فينتهي عند إجابة الرسول على السؤال الذي عرض عليه هل كان يمنعه من الأذى فناسب الجواب نعم. وكل إضافة تتطلب سؤالا آخر، وتحتاج إلى سند جديد، وهذا ما لا يتوفّر في هذا الحديث، وبخاصة وأنّ ما جاء بعد نعم كان حكما قاسيا، ولا يتناسب والسؤال مطلقا، ذلك أنّ من سئل وقيل له: هل عمّك كان ينصرك ويحبّك، فإما أن يجيب بنعم أو لا، ولا نرى من الكياسة أن يتحدّث المجيب فوق ذلك، فيبيّن أنّ عمّه ظالم ومفسد، وبخاصة إن كان قد أغدق عليه بحب عميق طول عشرته في الحياة، وكيف إذا كان السائل
47