السيرة النبوية في العهد المكي: مراجعة معرفية وحديثية مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

السيرة النبوية في العهد المكي

الجزء ١ · صفحة ٥٢

حبيب الرحمن ومرسولا رحمة للعالمين.

وبعد هذا التوضيح أيصح أن نعدّ "وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح" من الحديث الأصلي، أم تكملة له وماذا يضرنا نحن المعاصرين- أن نأخذ بالظاهر؟ ونعد الجواب بنعم، هو أصل الحديث، وما جاء بعده ليس له حكم المرفوع الموصول، فلا شيء سيتغيّر في الدين، ولا شيء سيضر نبيئنا، والله

أعلم.

عملا بمقتضى الحديثين السابقين فإن نهاية الحديث الثالث ستكون عند نهاية السؤال، وأمّا الجواب فليس له سند وغير متصل، وبهذا نزيل عن أذهاننا أنّ الحديث هو الكمّ الهائل من الكلمات والعبارات المنقولة بين المتحاورين، فقد يكون السؤال هو وحده الذي عنى الراوي إثباته بالسند، ثمّ يُشفع بإجابة غير ملحقة به، وهذا كثير، وهو أمر يزيد في ثراء الشريعة الإسلامية، ويوسع من مدارك الاجتهاد، ويقلّص مظانّ الاختلافات المتكرّرة بين نصوص الأحاديث، وبينها وبين الآيات، وبينها وبين الواقع، وهو ما يفتح المجال واسعا لتفاهم المسلمين ونبذ خلافاتهم الواردة في أحاديث لا يلحق كثيرا من عباراته سند، موصول، ولا يتطلب الأمر في نظرنا غير إعادة التحقيق الجيد للنصوص، وإدراك موطن النهاية التي عناها مخرّج

الحديث في زمانه.

وبغض النظر عن موقف القارئ مما ذكرناه من إعمال القاعدة في هذه الأحاديث، فإنّ الكلّ متفق على أنّ موت عمّه يعد فاجعة شديدة على نفسيّة الرسول، لكن السؤال المطروح: هل ارتقت الفاجعة أن تشكل حزنا عميقا حتى تجعل تلك السنة تسمّى بـ: "عام الحزن"؟؛ إطلاقا مقصودا أم مجازا، كإطلاق

48