منهج الشيخ هود بن محكم الهواري في تفسيره تفسير كتاب الله العزيز
الجزء ١ · صفحة ٢٩كما كانت ورجلان (82) أكبر قواعد الدولة الرستمية للتجارة الجنوبية، ولذلك أثرى تجار هذه المدينة ثراءً فاحشاً بفضل ما كان يتدفق عليهم من أموال، وينعكس هذا الثراء على سائر مدن الدولة الرستمية، وذكرت المراجع بعض الأثرياء في دولة الرستميين فمنهم من كان يملك من الإبل ثلاثين ألفاً، ومن الغنم ثلاثمائة ألف، ومن الحمير اثنى عشر ألفاً، ومنهم من ابتنى بتاهرت سوقاً خاصاً له وكان أهل جبل نفوسة أيضاً يشتغلون بالتجارة في الذهب مع بلاد السودان (83)
وكان لازدهار الحياة الاقتصادية في دولة الرستميين أثره في اجتذاب كثير من تجار المسلمين وصناعتهم، فوفد إليها الناس وقصدوها من كل مكان واستوطنوها، واشتغلوا فيها بالتجارة والصناعة، وفي ذلك يذكر الدكتور السيد "سالم" وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار، فقل أحد أن ينزل بها من الغرباء إلا استوطن معهم، وابتنى بين أظهرهم لما يراه من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته، وأمانه على نفسه وماله حتى لا ترى داراً إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا القرويين ومربعتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين، واستعملت السبل إلى بلاد السودان، وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وضروب الأمتعة" (84)
مس
جد
وفي عهد الإمام أفلح تقدمت الدولة الرستمية تقدماً سريعاً، ووصلت إلى أوج عظمتها، وبلغت في السؤدد منتهى العز والترف، فقد ابتنى الأغنياء القصور الفخمة، واتخذوا الضياع الواسعة، واستكثروا من العبيد والحشم، واتسع نطاق التجارة اتساعاً عظيماً إلى حد أن بعض التجار أصبح يملك سوقاً قائماً بذاته، وعلى عهده كثر المسافرون إلى السودان عن طريق الصحراء للاتجار واستجلاب التبر، وضربه دراهم ودنانير للتعامل واتخاذه حلياً كما ابتنى الإمام أفلح القصور واتخذ أبواباً من الحديد، وصنع الجفان (85)، وأطعم فيها الجيعان، وأتته الرفاق والوفود من كل الأمصار والآفاق بأنواع التجارات، وتنافس الناس في البنيان حتى ابتنى الناس القصور والضياع خارج المدينة، وأجروا الأنهار إليها (86)
(2) بفتح أوله وسكون ثانية وفتح الجيم وآخره نون كورة بين إفريقيا وبلاد الجريد ضاربة في البر كثيرة النخل والخيرات يسكنها قوم من البربر / انظر / معجم البلدان الحموي ج 5 ص 427/ رقم 12464.
(3) انظر/ بلاد الجزائر - تكوينها الإسلامي والعربي د. إبراهيم العدوي/ ص 210. (4) تاريخ المغرب في العصر الإسلامي د. السيد سالم/ ص 492.
(5) من الفعل جَفَن ومعنى جفنها أي نحرها وطبخها واتخذ منها طعاماً وجعل لحمها في الجفان ودعا عليها الناس حتى أكلوها انظر تاج العروس الزبيدي/ م 9 ص 162.
(1) تاريخ المغرب في العصر الإسلامي/ ص 493. (بتصرف)