منهج الشيخ هود بن محكم الهواري في تفسيره (دراسة ونقد) سامي محمود محمد أحمد [دارس عن الإباضية]

منهج الشيخ هود بن محكم الهواري في تفسيره تفسير كتاب الله العزيز

الجزء ١ · صفحة ٤٥

تاهرت والقيروان تشع بأنواع المعرفة عامة، وبالعلوم الدينية خاصة، حيث العلماء والأدباء من مختلف الطوائف الإسلامية والمذاهب الدينية، وكانت مجالس العلم والمناظرة في أوج نشاطها وكان الجدل يشتد أحياناً حتى يأخذ أشكالاً من الصراع المذهبي، وأحياناً أخرى ى يسود التسامح فتنتظم اللقاءات وتعقد الندوات بين العلماء، وتتلاقح الأفكار فلا يستنكف هذا أن يأخذ من هذا وإن لم يكن على مذهبه أو من طائفته (153).

ومما لاشك فيه أن هذه المراكز كانت دافعاً للشيخ هود أن يشد رحاله إليها طلباً للمزيد من المعرفة، وحضوراً لمجالس الدرس والمناظرة، والاتصال بالعلماء، ومما يؤكد ذلك الاعتقاد بأنه زار هذه المراكز العلمية وتعلم فيها، وأخص بالذكر هنا تاهرت، إنَّ أباه محكماً قد عمل قاضياً فيها زمن الإمام أفلح بن عبد الوهاب (154).

وسو

اءً طالت رحلته العلمية إلى هذه المراكز أو إلى أحدها أم قصرت، فإن الشيخ هود قد عاد إلى موطنه الأول وقد أصبح على قدر من العلم، واتسعت آفاق معرفته، وكثرت تجاربه، واستقر في منطقة أوراس (155)، وأصبح محط أنظار المتعلمين بل والناس عامة، يقصده المتعلمون ليقتبسوا من علمه وأخلاقه وتجاربه، ويقصده سائر الناس ليتلقوا منه التوجيهات الرشيدة، والرأي السديد والحل المرضي لمشاكلهم، فيقضي لكل من يقصده مآربه، ويساعده في مطلبه، ومما يؤكد ذلك قول الإمام أحمد بن سعيد الشماخي: " ومنهم هود بن محكم الهواري، وهو عالم متفنن غائص (156)، وهو صاحب التفسير المعروف، وهو كتاب

جليل في تفسير كلام الله لم يتعرض فيه للنحو والإعراب بل على طريقة المتقدمين " (157). ومما يظهر المكانة العالية التي وصل إليها الشيخ هود بين أفراد قبيلته والقبائل

المجاورة قول الشماخي عن الشيخ هود " وأتاه من يستعينه على نوائب الدهر، وعل التخلص من دين ركبه، فقال له: ائت حياً هناك من أحياء مزاته (158)، و أرسل معه رسولاً وقال له: قل لهم قال لكم هود بن محكم اجعلوا له صلة، فبلغهم. فأعلمهم رسوله فبسط رداءه

(153) انظر/ مقدمة محقق تفسير كتاب الله العزيز / ج 1 ص 13. (بتصرف)

(154) سبقت ترجمته التمهيد ص (155) جبل قريب من باغاية بأفريقية فيه عدة قبائل من قبائل البربر وفي أهله نخوة وتسلط انظر/ الروض المعطار/ الحميري/ ص 65.

(156) الغوص هو النزول تحت الماء، وقيل الغوص الدخول في الماء يُقال غاص في الماء غوصاً فهو غائص وغواص، وقيل أن الذي يغوص على الأصداف فيستخرجها غائص وغواص، والمراد هنا أنه متعمق في التفسير / انظر لسان العرب ابن منظور/ م 8 ص 62.

(157) كتاب السير/ ج 2 ص 59.

(158) قبيلة من قبائل البربر التي تعيش تحت إمارة الدولة الرستمية والضاربة جذورها على جانبي حدود الدولة الأغلبية في إقليم الزاب انظر المسالك والممالك لابن خرداذبة ص، وانظر/ الخوارج في

بلاد المغرب العربي حتى منتصف القرن الرابع د. محمود إسماعيل/ ص 159.