جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح
الجزء ١ · صفحة ١٠٤جيل "النهضة" والإصلاح
101
أمواج السيل قبل طلوع الفجر مهما تكلّف ذلك من ثمن. وهكذا نزلوا غمار الموج يشد بعضهم إلى بعض وقد تنقطع السلسلة فتجرف المياه بعضا منهم ولا يدري مصيره، ومن حظ إسماعيل أن نجاه الله فعصمه من الانجراف فتابع السير إلى سوق الإربعاء حيث حمام "آل محوج" من جماعتنا بالقرارة. وهناك التقط أنفاسه وأصلح شأنه، إذ وجد منهم كلّ مواساة وإكرام، ثم استأنف سيره إلى العاصمة ليدخلها يوم الجمعة 11 ديسمبر 1957 م وقبل أن يكتري حجرة تأويه في حي سوق "البلاط كان يتردد بين حمام آل الزيتون" في "الحلفاوين" ودار البعثة البيوضية في نهج ابن خلدون بباب منارة. وقد أصبح تحت عهدة النظام ولواء جبهة التحرير الوطني، ومن المفارقات أن لا يلتقي بأخيه سماوي أعضاء البعثة، إذ غادر تونس ضمن فريق جيش التحرير لكرة
أيوب ضمن القدم إلى المشرق العربي.
ولعلكم - أيها الإخوة تتصورون أن اللاجئين كانوا مكفولين في معاشهم بمعونات دولية أو كان في مقدور النظام يومئذ أن يقوم بذلك، اللهم إلا ما كان يتسرّب إليهم من ذويهم أو ما يساعدهم به إخوانهم التونسيون. فإسماعيل ذو الهمة الأنوفة كان يعتمد على نفسه وذويه بما كانوا يمدونه به من مال بواسطة المرحوم السيد الواهج الحاج يحيى. ولكن المدد سوف ينقطع بعد قنبلة المتجر وغلقه وتأسّس الحكومة المؤقتة في 19 سبتمبر 1958 م وتأخذ على عاتقها وضعية اللاجئين في معاشهم وتعليم أبنائهم، فيتعين إسماعيل داعية للجبهة في المشرق العربي. فتتسع بذلك آفاق خبرته، ويقوم بواجبه على أكمل انطلاقا وجه الأردن، فمصر، ثمّ من المملكة السعودية مرورا من سوريا، ليستقر به المقام في المدينة المنورة في شهر ديسمبر 1961 ثم عاد إلى تونس ومفاوضات "إيفيان" على قدم
وساق، وبوارق النصر تلوح في الآفاق.