جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح
الجزء ١ · صفحة ١١8
جيل "النهضة" والإصلاح
فيها دكانا صغيرا بمدينة الجلفة في العقد الأوّل من هذا القرن، ولكن تجارته كانت متواضعة في صورة بدائية يتعامل فيها مع البدو الرحل الذين تخضع مكاسبهم لخصب السنين أو جفافها. وقد اشتغل بتعليم الصبيان في فترة طويلة من عمره مرة في محضرة أبي سالم ومرّة في منزله مقتنعا بما يسعفه به المحسنون، وبشيء من أوقاف المسجد على الطريقة التقليدية المعروفة آنذاك.
وفي هذه القصة التي يرويها عنه ولده السيد: الحاج إبراهيم عيسى، ما يدل على قناعة هذا الجد الكريم وزهده في متاع الدنيا، إذ كان على موعد مع جيرانه السيد بوصوفة الحاج إبراهيم للسفر إلى الجلفة على طريق القوافل، وقبل يومين من موعد السفر صادف أن تفقد حجرة الخزين للمؤونة، فوجد كمية من القمح أو الشعير، وأخرى من الهرماس والفول، فقرّر أن لا يسافر، وفي يديه هذا الرزق الذي لا يدري أيكتب له إنفاده أم لا؟ وهكذا أخبر رفيقه أن لا يعوّل عليه.
بقي الفتى في كنف جده وعمه بعد وفاة والده في ذلك البيت المتواضع، يتردّد إلى المدرسة الفرنسية المتواضعة ذات الغرفة الواحدة، والتي لا يؤمها إلا الأطفال الفقراء؛ لأنها تعلّم لغة الكفر في معتقد أهل البلد آنذاك،
أمثاله
من
ويذهب إلى محضرة أبي سالم ليحفظ سورا من القرآن الكريم، ويتعلّم القراءة والكتابة. وقد تداول التعليم لتلك الفترة في هذا الكتاب كلّ من جده الحاج إبراهيم الحاج صالح والسيّد الحاج إبراهيم بن حمو بياع الزيت)، والسيد أمحمد صالح بن أمحمد وهو والد السيد زكري بن صالح، والسيد الحاج داود بن باعزيز، ولكن هذا الأخير انتقل إلى المسجد العتيق بعد ذلك.
غير أن الفتى لم يشف غليله بتلك الحصيلة المتواضعة التي لا يمكن أن يكتفي بما طالب علم نبيه يطمح إلى المزيد من العلم والمعرفة، وتهيئه الأقدار إلى أن يكون في يوم من الأيام معلما قديرا ومربيا مثاليا في ظروف ضرب الجهل فيها بجرائه، فلا يتصدّى لهذه المهمة النبيلة إلا الفقراء العجزة، ممن لهم