جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح
الجزء ١ · صفحة ١٢٦جيل "النهضة" والإصلاح
123
التحضيري بمدرسة فرنسية حيث تعلّم مبادئها مع أولاد المعمرين، وأي قدر من النجاح والتفوق كان يرجى منه لو طاوعته الأقدار؟ ولكن ماذا دهى الطفل اللعوب وما الذي ينتابه من الأوجاع حين ذوت نضارته وفترت حيويته؟ ما باله ينكمش أحيانا مقوس الظهر وهو يتجمّع كالمنتظر لصفعة لقد ظنّ الوالدان أن الولد ربما قد تلقى إصابة عنيفة إثر صدمة أو كبوة رضت عظام ظهره؛ غير أن الكشف الطبي أظهر بعد لأي أعراض السلّ العظمي أخذ يدبّ في العمود الفقري وهو الوحش الذي لا يرحم فلا بد من الإسراع في العلاج و لم تكن الوسيلة سهلة ولا التكلفة ميسورة آنذاك و لم يكن الطفل بأقل حبًا من نفس والديه إذ تميآ لإنقاذه بكل ما يملكان مكث برهة في المستشفى الجامعي بالعاصمة، ولم يطب خاطر والده لوضعيته، فقرّر أن يذهب به إلى تونس شأن أغلب الجزائريين في ذلك الوقت، إذا هموا بعلاج جدي سيما في العمليات الجراحية. وبدون تردد شد الرحال إلى تونس سنة 1931 م، ليحط في مستشفى الرابطة بعيدا عن الأهل والوطن. فيا الله، كيف يمكن لطفل لم يتجاوز العقد الأوّل من عمره أن يتحمّل
مضاضة غربة تمتد لثلاث سنوات؟ وأي مقام ينتظره على سرير المستشفى ملفوفا في جبيرته محروما من الحركات؟ إنه الامتحان القاسي والمحك الخشن الذي يروّض عزيمته ويمحص قدراته ويهيئه لمهمته التاريخية. تعلم هناك كيف يكتسب الأصدقاء من لداته نزلاء المستشفى وكيف يجتذب إليه عطف الممرضات الأخوات يواسينه بأحاديثهن العذبة وقصصهن المسلية، فانطلق لسانه باللغة الفرنسية كما لو تعلمها في مدرسة عالية.
هناك تدرّب على الصبر والاحتمال وعرف كيف يغالب الآلام بالآمال، آمال العودة إلى الوطن بعد الخلاص من الدّاء العضال. وفي ربيع سنة 1934 م تعالت زغاريد أسرته لتحتضنه بحرارة وتستقبله بشوق، فآثر والده أن ينسيه آلام غربته بثلاث سنوات يقيمها إلى جوار والدته مدلّلا مكرما، وهو