جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح

الجزء ١ · صفحة ١٦

13

جيل "النهضة" والإصلاح

الحرب العالمية أوزارها وكان الاختيار صعبا بالنسبة إليه، وهو المشبع بالروح التجديدية بعد أن تغذى بلبان المعرفة في معهد القرارة، وتجاوب مع الحركة الإصلاحية في مهدها وهو في مقتبل العمر، واثقا بنفسه، عصاميا في تكوينه.

كان عليه أن يعرف كيف يشق طريقة في دروب وعرة المسالك يساوق فيها بين طموحاته المتألقة إلى التجديد، وبين الأوضاع المألوفة، والتقاليد الموروثة، والأفكار الهامدة الراكدة.

عرفته بجوار بيتنا وأنا ابن سبع سنين، فوجدت فيه الأب الحنون الذي غمرني بكل عطف وحنان، وكانت حرمه الفاضلة هي الأخرى لا تألو جهدا في استعطافي واسترضائي بما يكون بين يديها من مرطبات أو حلوى، وتناغمني بأطاييب الكلام، فتذوّقت من تعاطف هذين الزوجين الكريمين طعم السعادة، وأنعشتني ندوة الأبوّة الرحيمة، واستعضت بما ما فقدته في بيتي منذ سنين عندما تركني والدي -رحمه الله - فطيما في السنة الثانية من عمري، الأمر الذي ترك والدتي -رحمة الله عليها تضطلع بتكاليف المعاش عملا بكدّ يمينها في ضيق من الرزق وجفاف من وطأة السنين.

تفتحت عيناي في هذا البيت السعيد، وقد استقر المقام بشيخي في بلده الأمين، وكنت أتردّد عليه فأشاهده يدرّج الرسائل لبعض أعوانه وأصدقائه، أو يطالع بعض الكتب التي توفّرت لديه، وأنا الذي ما عرفت من قبل كتابا في طبعته الجديدة وتسفيره الأنيق باللغة العربية الفصحى، فما كنا نشاهد في المدرسة الفرنسية أمثال تلك الكتب إلا ما تداول بين أيدينا يومئذ من كتاب "الصوالح " الذي يعكس مدى تحقير الاستعمار للغتنا القومية، فنشأ من كل ذلك في نفسي حنين بالغ إلى معرفة تلك الكتب، وميل فطري إلى تعلّم اللّغة العربية في سن مبكرة من عمري،

2