جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح

الجزء ١ · صفحة ١٨

جيل "النهضة" والإصلاح

15

المغرب إلى ما بعد صلاة العشاء. فإذا قدرنا التوقيت اليومي بالساعات فإنه يزيد عن العشر في كل يوم.

وأما وظيفة المؤسسة، والإمكانيات والتجهيزات التي نعرفها اليوم فلا وجود لها البتة، بل لا نتصوّرها حتى بخيالنا المحدود، ففى القاعة الوحيدة المعتمة كنا نتربع على الأرض أمام الشيخ يتهافت بعضنا إلى بعض كأفراخ القطا، وتختلط أصواتنا في دوي مزعج يشتد ويضعف كلّما لوح الشيخ بعصاه، أو هدد بصرخته المدوية أحد التلاميذ أو مجموعة منهم، وهو يتربع على دكان في صدر القاعة، وفي الشتاء يفترس جلد شاة، ويتلفّع ببرنوسه الصوفي الخشن ذي اللون الرمادي، ومن خلال نظارته المتواضعة كان يراقب تصرفاتنا، وهو يستمع إلى استظهار أحد الزملاء ويصحح اللوح للآخر في ضبط محكم، وهيبة تامة، والويل للعاصي أو الكسول المتواني إذا مدد بين يديه، أو أمسك عباءته بجمع يديه ليعصر بها ثيابه الخشنة فيكون الضرب بالعصا على آليتيه موجعا والعقاب مؤثرا، وإذا استظهر أحدنا حصته بحفظ سليم ذهب ليمحو الوجه القديم من لوحته بالماء في خندق بزاوية القاعة، ثم يطليها بالصلصال ويجففها على جمر السخان بالميضأة أو على أشعة الشمس. وكنا نتنافس في برء الأقلام ونختار لها القصب الجيد، كما نتفنّن في تحضير الصمغ وإعداد دواته، ونتنافس في حفظ أكبر حصة من القرآن ليبلغ أحدنا منتهاه، في ختمة مباركة، مشتهاة يصبح بما أحد الطلبة المرموقين، وينال عند شيخه وذويه أبلغ التكريم، إذ يقام له حفل بهيج كنا ننتظره بشوق بالغ، سيما التلاميذ الكبار الذين يذهبون إلى دار المحتفل به مع جماعة من العزابة وإيروان لتلاوة أواخر سورة آل عمران. فتتاح لنا يومئذ فرصة الحصول على صرّة فيها كمية من الفول ورغيف وبيضة، ثم فرنك لكلّ واحد من

الحاضرين.

وأذكر أنني ختمت القرآن وأنا ابن عشر سنين سنة 1939 م. وكنت أستشرف بشوق عظيم ذلك اليوم الذي أكرّم فيه بهذه الحفلة، و لم يدر بخلدي