جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح
الجزء ١ · صفحة ١٩16
جيل "النهضة" والإصلاح
ما تتطلبه من تكاليف، أنى لوالدتي أن توفّرها لي، وهي لا تكاد تحصل على قوتها اليومي الضروري. و لم يكن يومئذ للعشائر ما نعرفه اليوم من مساعدة للفقراء أو كفالة للأيتام. أضف إلى ذلك أن أقربائي من أبناء عمومتي يسكنون الجزء الأسفل من المدينة فما عرفتهم وما عرفوني، فعز على والدتي أن أحرم من هذا التكريم، وانطوت على حزنها الكظيم، ومرت الأيام والليالي فختمت سورة البقرة، وأخذت في إعادة السلكة حتى انتهيت إلى أواخر سورة عال عمران. فإذا بالشيخ يناديني ذات يوم ليأمرني بإعداد وليمة الختم في يوم حدّده هو بنفسه، وقد هيأ لي كمية من الفول والقمح ومبلغا من المال. فيا للفرحة العارمة، وأنا أحمل على ظهري تلك الأرزاق لأضعها بين يدي أمي، وهي تبكي من فرط السرور. فلا تسل عن مظاهر البهجة التي دبّت في محيط الأسرة وعن مدى الإقبال والتعاون من صواحب أمي وهنّ يحضرن للوليمة، رحم تلك النفوس الطيبة، وأسكنها فسيح جنانه. فهي ولاشك- لا تبتغي في ذلك إلا وجه الله الكريم، وجبر خواطر ذلك الطفل اليتيم. إذ لا أعرف كيف تم ذلك، ولا بمساعدة من؟ وهي إحدى مبرات هذا الشيخ الكريم.
-04 الطبع والأخلاق واختيار الرفاق
الله
ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد هصور لعل الشاعر العربي عندما نطق بهذا البيت كانت ترتسم في خياله صورة
شيخنا بقامته المتوسطة النحيفة ووجهه المستطيل، تلتمع عيناه الغائرتان تحت نظارته المتواضعة، والمستديرة الأطر، وتتدلّى من ذقنه لحيته، سوداء خفيفة لا تكاد تمتد إلى صدغيه، وأحيانا يحرّك فكيه وشفتاه مضمومتان في حركة آلية تسمع من خلالها طرطقة، أسنانه فيخيل إليك أنه يقضم حبّات من الفول المقلي، وإذا ارتفعت درجة الحرارة واضطر إلى التخفيف من الثياب الخشنة، برزت للعيان عظامه الناتئة، وتشابكت على جلده عروقه تزيدها صورة الغضب انتفاخا كلّما هم بالعقاب أو