جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح
الجزء ١ · صفحة ٢٠17
جيل "النهضة" والإصلاح
لج في التوبيخ والعتاب. لا نراه نحن الطلاب إلا متزمتا وقورا، نترقب طلعته بكل حذر عندما نتجمّع في شارع للعب أو في ساحة للركض والسباق؛ لأنه لا يفلتنا في مخافة، ولا يقبل في تأديبنا شفاعة الشافعين، كما لا يحابي في معاملاته أبناء المترفين. تستشف من نظراته رأيا حصيفا ونظرا، ثاقبا، ومن سمته الوقور نفسا متحفّزة إلى معالي الأمور، وهمة متوثبة إلى تحقيق المثل العليا، وقلبا كبيرا يحمل هموم أمته وشعبه، حتى ضرب به المثل في الجد، إذ لا ترتاح نفسه إلى الهامشيات التي يخوض فيها رفاقه في جلسات العمل، ولا إلى الهزليات التي يلتجأ إليها أحيانا للإحماض من عناء التفكير، وهو إلى ذلك عفّ اللسان، طاهر الذيل، كريم النفس، يجود بكل ما عنده إذا طرقه ضيف، أو استغاث به ملهوف، وكان على قلة ما في يديه أنيق الملبس حسن الهيئة لا يتظاهر بالفقر، ولا يتضايق بالحرمان، قنوع بما يسره الله من كفاف في الرزق، لا يتطاول إلى ما عند الآخرين من متاع الدنيا، وهو الذي استنكف عنها في أوّل تجربة له في الأخذ بأسبابها.
ويروي لرفيقه الأستاذ الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى القرادي أنه فر ذات مرة في الاتجار بكسوة الصوف يجمعها من سوق العطف، ليعيد بيعها في سوق غرداية، متحيّنا في ذلك فرصة الطلوع والنزول للأسعار في مختلف الفصول، ولكن لسوء حظه في أوّل تجربة له من هذا القبيل أن هبطت الأسعار وكسدت السوق لمدة طويلة، بعد أن اشترى كمّية من الكسوة استنفدت كلّ ما ادخره من المال، فاضطر إلى بيعها بأقل من ثمن شرائها، فاعتبر ذلك نذيرا الله تعالى حتى لا يفكر مرة أخرى في ما لم يخلق من أجله، وهكذا يتعظ المخلصون الأوفياء لمهنتهم. ومما لا يكاد يصدقه أبناؤنا المعلمون من الجيل الحاضر أن يعرفوا أنه يتقاضى لمرتبه الشهري مبلغ أربعمائة فرنك فرنسي في قيمته القديمة على يد الجماعة التي ذكرت بعض أفرادها من قبل، وذلك عندما بدأ عمله في العطف
من