جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح
الجزء ١ · صفحة ٢١18
جيل "النهضة" والإصلاح
في أواخر الثلاثينيات، فآية قناعة يتصف بها هذا الرجل، وآية بركة تزكي هذه
الدريهمات ليسد بما حاجيات أسرته، ويحقق لها العيش الكريم؟
ولعلّ الكثير يستنتج من وصفي إياه بالتزمت والجدية أنه جاف الطبع، شرود عن الأصدقاء والأصحاب، كلا! .... فقد كان لطيف المعشر، شديد الاحتكاك بعناصر المجتمع كلها، كوّن لنفسه هالة من أصدقائه الأوفياء، تجمعه وإياهم وشائج القربى وجوار السكن، وأهم من ذلك تربطه وإياهم الفكرة الإصلاحية بأمتن العرى وأصدق الأواصر، وهم كلّ من المرحومين السادة: الحاج إبراهيم عبد الرحمن وأخوه حمو ابنا إسماعيل، والحاج إبراهيم الحاج عيسى بن الحاج عمر بياع الزيت والحاج إبراهيم الحاج أحمد بن سليمان والحاج أمحمد الحاج عدون بن بالحاج إبراهيم، واسماوي الحاج حمو بن صالح، والحاج إبراهيم محمد بن الحاج إبراهيم.
كان هؤلاء الإخوة على نصيب من الثقافة المتواضعة خولتهم في لقاءاتهم مع شيخنا أن يرتفعوا إلى مستوى الأحداث الجارية في ذلك الوقت، داخل الوطن أو خارجه، على تفاوت في مستوياتهم بالطبع، وأبرزهم في هذا المجال إلى جانب شيخنا اسماوي الحاج حمو، وعدون بن الحاج إبراهيم، وعيسى بن الحاج عمر. كانوا يتسامرون في قراءة جرائد الشيخ أبي اليقظان -رحمه الله - وجريدة "الزهرة التونسية" و"النجاح"، وغيرها من الصحف المتداولة في ذلك الوقت، ويعلقون على مجريات الأحداث، وهم يسايرون المسيرة الإصلاحية خطوة فخطوة، ويتجاوبون مع مواقفها في حزم وأناة، وأي شيء أمتع للإنسان، وأنفى لهمومه ومنغصات صفوه من إخوان أوفياء يشدون أزره في الملمات ويركن إليهم إذا حزبه أمر، ويأنس بقربهم إذا مسه ضر، أو يستودعهم كل ما يدعو إلى سرّ. لقد وجد في هؤلاء الإخوة كل بلسم لجراحه، وكلّ سند وأزر في أفراحه وأتراحه رحمهم الله جميعا، وتلقاهم
بالروح والريحان، وتجاوز عن سيئاتهم بالعفو والغفران.