جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح
الجزء ١ · صفحة ٢٢جيل "النهضة" والإصلاح
19
-05 - محاولة التطوير والتحديث
كان على شيخنا أن يشق طريقه على حذر في فترة قويت فيها شوكة القياد، وغلاة الحكام العسكريين يمسكون بقبضتهم الحديدية على خناق البلاد والعباد، يترصدون الحركة الإصلاحية، ويتصيدون أخبارها في كل ناد. ولكن الطلائع الأولى لجبهتها من أمثال شيخنا لا تكدر صفوهم الليالي ولا تمين عزائمهم المثبطات والعراقيل، يتحركون في جنح الظلام للاتصال ونقل الأخبار، ويتخيرون لاجتماعاتهم المآوى الآمنة، ويتعاملون على عهد الله وميثاقه بأمانة وصدق وإخلاص.
أذكر أنه دعاني ذات ليلة بعد صلاة العشاء في ليلة من ليالي الشتاء الحالكة، فتسللت إلى أعماق الدهليز في بيت جده، فإذا بي أمام الأستاذين: الشيخ آداود عمر بن صالح الغرداوي والأستاذ الحاج الناصر محمد الكبير، وهما من ألمع تلاميذ الشيخ الإمام في ذلك الوقت وكان الغرض من وجودي معهما أن أستمع إلى بعض الأناشيد كان يردّدها الشيخ عمر بن صالح -رحمه الله - بصوته العذب الرنان. وذلك قصد تلقينها لرفاقي في الكتاب، وقد دارت بينهما مناقشات حية تركت صداها في نفسي وأنا ابن ثمان. وعرفت أنهما غادرا البلدة قبل طلوع الفجر حتى لا يفضح أمرهما الرقباء.
وهذا نموذج صغير للوضعية التي عاش عليها هؤلاء الأماجد في تلكم الفترة العصيبة من تاريخ الحركة، وقد تأزمت وضعيتها، وضاقت مسالكها بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، عندما فرضت فرنسا الإقامة الجبرية في القرارة على الشيخ الإمام.
في مثل تلك الظروف الصعبة القاسية، انطلق شيخنا في عمله. وكان من عزمه أن يطوّر أساليب التعليم، ولكن تواجده في مكان يغلب عليه الطابع التقليدي يجعل اختياره صعبا وإنجازه بطيئا كما أسلفت، وعلى