جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح
الجزء ١ · صفحة ٢٣٤جيل "النهضة" والإصلاح
231
06 - العودة إلى الوطن المعنّى:
إنها لمغامرة كبرى دونها الموت المحقق في كلّ لحظة، ولكن لا مناص من الإقدام عليها، إذ لا سبيل إلى التحصيل العلمي للفتى بعد أن اضطربت البلاد، ودعا داعي الجهاد، فلنستمع إليه يقص أحداثها ويقول: "في تاريخ 30 أكتوبر 1956 م غادرت تونس مع صديقي بغباغة أحمد بن عيسى على متن القطار قاصدين أرض الوطن، وكان الدخول إلى الجزائر في تلك الأيام مغامرة خطيرة تعرض صاحبها للإعدام كما وقع للكثير ممن حاولوا ذلك.
ففي "غار دماو" من الحدود التونسية الجزائرية، أنزلنا الجيش الفرنسي من القطار وأيدينا فوق رؤوسنا والرشاشات مرشوقة خلف ظهورنا، ومع الضرب والركل والسب اقتادونا إلى مخيم حيث استجوبوا كلا منا على حدة، تحت التهديد والوعيد. بعد أن جردونا من ملابسنا وفتشوا أمتعتنا بدقة. وبعد تلك الفترة العصيبة من البحث اقتادونا إلى سيارة مصفحة وقيل لنا: بما أنكم لم تصرحوا و لم تبوحوا بالحقائق عما كنتم تقومون به من أعمال في تونس وما أنتم عازمون على القيام به في الجزائر، فإنّكم ستلقون جزاءكم كما لاقاه الكثير من الطلبة ممن هو على شاكلتكم.
وبعد هنيهة طلع علينا الضابط المسؤول وقال لنا بصوت حاد: ماذا أنتم قائلون في ما نحن عازمون على القيام به ازاءكم؟ فأجبنا بصوت واحد: نحن بين أيديكم اعملوا بنا ما شئتم وبعد لحظات من التشاور بين الضباط سمعنا صفارة القطار بعد تعطيل دام أكثر من ست ساعات فتوقعنا أن الساعة قد دقت، فإذا بذلك الضابط يأمر السائق بالتوجه بنا نحو القطار تحت حراسة مشدّدة، ليقلع بنا نحو سوق أهراس فتنفسنا الصعداء، إذ وجدنا الأخ خير الناس محمد بن عمر في انتظارنا، وعند الأخ بوصوفة عمر بن إسماعيل كان مبيتنا، ثم استأنفنا طريقنا إلى قسنطينة وصادفنا فيها إحياء الذكرى الثانية