جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح
الجزء ١ · صفحة ٢٧24
جيل "النهضة" والإصلاح
وفي خضم هذه الحركة النشيطة أخذ شيخنا يعاني من آلام مضنية، كان السرطان فيها ينهش عظامه ولحمه وقد اكتشف الأطباء نواته في إحدى عينين وهو ما يزال يبصر بها، فعزّ عليه، قلعها وربّما كان لا يتصور خطر السرطان "عافانا الله وإياكم"، فرجع من العاصمة وفي ذاته هذا الحيوان الشرس الذي لا يرحم، ولكنّه هرب من مبضع الجراح، ليترك جسمه مرتعا خصيبا يجد فيه الوحش الضاري مغرزا لأنيابه ومشحذا لأضراسه، وهكذا شاءت الأقدار أن يقضي السنة الأخيرة من عمره في مطلع الخمسينات طريح الفراش، وقد خارت قواه، وبرحت به الأوجاع والآلام، وعجز الطب عن إنقاذه بعد فوات الأوان. إذ لا يملك في مثل هذه الوضعية الأليمة إلا أن يقدّم إليه بعض الأقراص أو الحقن المخدّرة.
وفي ضحى يوم كتيب عُدته لأودعه في أوّل سفري إلى تونس وكان ذلك في غضون شهر أكتوبر سنة 1950 م. فهالني ما وجدته عليه، ولم أكد أجرؤ على النظر إليه وهو ممدود على فراشه نضوا هزيلا يتنزى ألما، وكان ذلك في غرفة الضيوف بدار المرحوم الحاج أمحمد قاسم بن بمون التي اكتراها لأسرته في أخريات أيامه ابتعادا من المضايقات التي كان يتعرض لها في داره الأهلية التي تركها الورثة. كان يحدثني ورأسه مسند إلى وسادته. وكان على تداعى بدنه وآلامه المبرحة حاضر، الذهن، طليق اللسان يبارك قصدي، ويشجعني على مواصلة الدراسة، ويدعو الله لي بالتوفيق والنجاح. وهكذا تركته بعين دامعة وقلب جريح نضوا براه الهزال. وفتك
به الداء العضال.
تتابعت أنفاسه وهو على تلك الحالة إلى أن أسلم الروح إلى باريها يوم 14 ماي سنة 1951 م، فشيّع جثمانه الطاهر إلى روضة "بالة ومسلّم". و لم يقدّر لي - وأنا في الديار التونسية أن أكون ضمن المشيعين، ولم أسمع بوفاته إلا بعد حين. وقد بلغ من العمر تسعا وثلاثين سنة ترك أرملته