جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح

الجزء ١ · صفحة ٤٦

جيل "النهضة" والإصلاح

43

علينا قصته في قسنطينة إذ يقول: " في أواسط الثلاثينيات وفد إلينا الشيخ باباعمي الحاج أحمد بن موسى وأنا أعمل إذ ذاك أجيرا في متجر المرحوم السيد بوبكر الحاج محمد بن عمر الشرح" بقسنطينة، فعرفت فيه لأوّل لقائي به ذلك الشاب الطموح الوسيم الطلعة المتواضع البشوش، يفيض حيوية ونشاطا، ويتقد غيرة وحماسا وتحلله هيبة التقى والصلاح، حط رحاله بيننا ليصبح لأبنائنا مربيا، ولعامتنا مرشدا. فآواه إليه صاحب المتجر وأكرم مثواه، بما وفّر إليه من وسائل الراحة حتى غدا لديه من أعز أصفيائه والمقربين إليه وهو الضليع في أمور جماعتنا بقسطينة، والآخذ بزمام المبادرات في كل الأحداث الجارية يومئذ في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وما أشدّ تشابكها وتداخلها بل وتعارضها يومئذ في شرق البلاد. فلم يشأ أن تقف جماعتنا منها موقف المتفرّج، وكثيرا ما يوجهها خصومنا من اليهود وأشباههم ضد مصالحنا، فشق السيّد بوبكر الحاج محمد -رحمه الله- هذا الطريق الوعر، وغلاة المعمرين وعملاؤهم لا يفلتون كلّ حركة يشتم منها رائحة الوطنية، وكانت حركة جمعية العلماء برئاسة الإمام ابن باديس على قدم وساق، وكان الشيخ ابن يوسف سليمان بن الحاج داود ضمن عمال المتجر، له المقام الأوّل عند صاحبه، والحظوة القصوى لما يتمتع به من جرأة وإقدام وفصاحة وذكاء، فانضاف إليهما الشيخ بابا عمي ليكونوا ثالوثا مباركا ممتازا تزاوجت فيه حنكة، التجربة، وحكمة المعرفة، وتمازجت فيه رزانة الكهولة وفتوة الشباب. وكنت أتابع باهتمام كلّ المناقشات الحية التي كانت تدور بينهم وهم يخططون، أو يدرسون ويحلّلون مختلف المواقف حتى يواجهوها بما تستحقه من الحزم والثبات، أو التقية والمداراة. وأحيانا تكون لي مع أحدهم بعض المناقشات الثنائية استفدت منها رصيدا كبيرا انتفعت به في مستقبل أيامي. فأنا مدين لهم في حسن تكويني إلى حد بعيد.