جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح
الجزء ١ · صفحة ٧٦جيل "النهضة" والإصلاح
73
تلح عليه أن يدرس هناك. وبعد تماطل وتردّد استجاب لدعوتهم، ولكن لمدة سنة فقط، عاد بعدها إلى متجر عين الدفلة بعد أن برهن مرة أخرى على كفاءته ونشاطه في التدريس، ودّت جماعتنا في "غليزان" لو استمر معهم طويلا. غير أن مسؤولية المتجر لم يطمئن عليها ببقاء أخيه وحده، فاضطر إلى العودة ليكمل مشواره التجاري هناك في عين الدفلة بخطى وئيدة، وبوسائل تقليدية تتناسب مع المستوى البسيط لسكان تلك المنطقة أيام كانت عين الدفلة مدينة صغيرة في منطقة الهضاب العليا. فاستطاع بجهده المتواضع أن يوفر العيش الكريم لأسرته في سنوات امتدت إلى السبعينات، فأحسن رعاية أخويه عمر وقاسم تعليما وتربية حتى اشتد ساعدهما، وأخذا معه بمسؤولية التجارة بعد أن انفصل عنه أخوه الكبير. ونظرا لمستواه الثقافي فقد سعى لتكوين صداقات مع بعض شخصيات البلدة ومسؤوليها فتجاوب معهم، وساندوه في وجوده وحيدا من جماعتنا هناك وأبرزهم مكانة وأصدق صحبة هو السيد: رزق الله أمحمد الأمين العام للبلدية وأحد أعيان البلد.
وما أن اندلعت الثورة التحريرية المباركة، وتكوّنت اللجان السرية للنضال حتى بادر بالمشاركة الفعّالة بالمال والرأي في حيطة وحذر، لم يستهتر في موقف و لم يكشف له سرّ. وكان لا يطول مقامه في مسقط رأسه إلا بالقدر الضروري الذي يتيح له الاطمئنان على أحوال عائلته كغيره من تجار جماعتنا. يعانون من ألم الغربة والابتعاد عن أسرهم، إذ لم تتوفّر لهم السكنيات المحترمة بأزاء متاجرهم إلا بعد الاستقلال الوطني. وكان الفتى لا يبخل بمجهوده الثقافي والاجتماعي في بلدته كلما حلّ بها، إذ يكنّ له المجتمع العطفاوي كلّ تقدير واحترام لما قدمه من مجهود في تربية أبنائه. وقد ونيت خطى التعليم العصري بعد غلق مدرسته، إذ بقيت على الوتيرة التقليدية في الكتاتيب، وكان للشيخ الحاج إبراهيم محمد بن بمون محاولات محتشمة في محضرة "أبي سالم " اقتصرت على بعض الدروس البسيطة في اللغة