جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح
الجزء ١ · صفحة ٩٣90
جيل "النهضة" والإصلاح
الفترة العصيبة. وكان حظ الفتى من هذين التعليميين زهيدا، غير أنه تمرن على اللغة الفرنسية أكثر من خلال عمله في سن مبكر بمتجر "آل سماوي" بالحراش الذي أسسه عمه السيد سماوي صالح بن حاج أحمد، وكان معدل العمر للفتيان الذين تضطرهم ظروف العيش إلى العمل في مدن الشمال، لا يتجاوز السن الثانية عشرة. حيث يتدرّج الصبي من أبسط الأعمال في الطبخ والغسيل والتنظيف وجرّ البضائع وترتيبها إلى العملية التجارية من بيع وشراء وضبط الحسابات. فأظهر الفتى تفوّقا في هذه المجالات. غير أنه ضاق ذرعا من سوء المعاملة التي كان يعامله بما بعض من سبقوه هناك، وقد اشتد ساعده، وتبلور طبعه الأنوف مع فترة المراهقة و لم يطق صبرا من تلك الوضعية فارتحل مغاضبا - إلى تونس الخضراء ليعمل بما قابضا للكراء في إحدى شركات النقل، وذلك في أواخر العشرينات وليس هذا الموقف من أمثاله في تلك الحقبة بالأمر الهين في أعراف جماعتنا وتقاليدها في الانضباط والالتزام بالتنظيمات المتبعة داخل منطقة ميزاب أو خارجها، فكان هذا التمرد من الفتي إن صح التعبير - مؤشر الخصائص أخذت تتنامى في شخصه عشقا للعزة والكرامة وحبا للحرية والانعتاق. لم يطل مقامه في تونس، إذ قيض الله أحد سراة عشيرته المرحوم الحاج عيسى الحاج إبراهيم بن الحاج محمد بن صالح، فأقنعه على أن يعود إلى الوطن فيساعده ماديا وروحيا ليرسم ?? سيره في الطريق الصحيح لمستقبل حياته. وقد جسد هذا الرجل الفذ بمسعاه في إنقاذ أحد أبناء عشيرته، جسد ذلك التكافل الاجتماعي الذي قام عليه مجتمعنا منذ أقدم العصور فاعتبروا يا أولي الأبصار -
وهكذا اعتمد الفتى على نفسه، فأسس أولاً متجرا بسيطا في ساحة أوّل ماي بالعاصمة، ولم يطل به العمل هناك حتى أسس متجره المشهور في نهج "المختار عبد اللطيف" "ترولار" سابقا- سنة 1932 م، وضم إليه إخوته
متعاونين متكاملين.