جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح
الجزء ١ · صفحة ٩٦جيل "النهضة" والإصلاح
93
بعيدا عن رقابة معلمي صاحب المتجر إذ أسرّ إلي بهذا الحديث قائلا: "أيها الولد: إن الله لم يخلقك لمثل هذا العمل الساذج البسيط، بل خلقك للعلم والعرفان، فاعقد عزمك على أن تلتحق بمعهد القرارة، كما التحق به أخي أيوب، فإنّ البلد في حاجة إلى أمثالكم ممن ينهضها من كبوتها، فإن أسلمك أهلك فاضطررت إلى العمل، فتمت رجال يكفلونك ويضمنون نفقاتك، وأنا واحد منهم. شكرت له تلك النصيحة بصوت متهدج خجول؛ لأنّي ما كنت لأعرف الرجل من قبل أبدا، غير أن نصائحه الغالية أخذت تعمل في صدري، وتحفزني إلى التفكير الجدّي في تغيير مسار حياتي، كما كانت لرسائل معلمي المرحوم الحاج إبراهيم محمد بن بمون في الموضوع نفس التأثير حتى تم بفضل الله - ما عقدت عليه العزم من الالتحاق بمعهد القرارة سنة 1945 م. وصدق مولانا العظيم {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُوتِي أُكُلَهَا كُلِّ حين بإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُـ
يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 24 - 25].
لقد أدرك بحسه المرهف ما يعانيه مجتمعه من ظلمات الجهل ومتاهات الخرافة، ولئن لم يسعفه الحظ في أن يتزوّد بالعلم والمعرفة، فإن الأقدار كانت تهيئه داعية صدق وإخلاص بمساعيه الحثيثة في تعهد بذور النهضة الثقافية في أوائل الثلاثينيات في البلد تلك النهضة المباركة التي برزت نبتتها إلى الوجود على يد الرواد الأوائل في تحديث التعليم وعصرنته رويدا رويدا من أمثال المرحومين السابقين الذكر الشيخ محمد بن بمون، الشيخ بكلي أحمد بن حاج يحيى، الشيخ بابا عمي الحاج أحمد بن الحاج موسى، ومن وقف إلى جانبهم من سراة البلدة وفضلائها، إلى أن هدر سيل الإصلاح لينبت الخير والنفع، ويعلي منار العلم للأجيال.
:
7