حديث الشيخ الإمام في صلاة الجمعة وما لها من الأحكام (الحلقة الثانية) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

حديث الشيخ الإمام في صلاة الجمعة وما لها من الأحكام

الجزء ١ · صفحة ١١

لقد طال الأمد بالناس في المدينة المنوّرة وهم يرتقبون قافلة تزودهم بالميرة والمؤن من شمال الجزيرة أو جنوبها حتى كادت أزوادهم تنفد، وليس لهم اكتفاء

- 4 -

ذاتي مما ينتجونه فى بلدهم، وموقع المدينة منعزل فى صحراء الجزيرة بعيدا عن المراكز الكبرى للتجارة. فإما أن يرتحلوا إليها في مسالك بعيدة نحو الشمال أو الجنوب ليكتالوا ويميروا أهلهم، وإما أن يرتقبوا القوافل الآتية منهما فيتسابقون اليها لشراء ما يحتاجون. وصادف فى تلك الجمعة أن دخلت المدينة قافلة لدحية إبن خليفة الكلبي الانصاري محملة بالميرة والمؤن. وقد جرت العادة عند العرب أن تدق الطبول لتنبيه الناس بوصول القافلة، كما كان يقع في أسواقنا إلى عهد قريب. وما إن سمع الناس دقات الطبول حتى انفضوا من صفوفهم مهرولين نحو السوق كي لا تفوتهم الفرصة وهم فى ضيق شديد. وليس أشد وطأة على الناس من البطون الخاوية والأيدى القصيرة مع قلة الحيلة وعسر المطلب. وما اللهو المعبر عنه في الآية الكريمة إلا هذا النوع من الإعلام للناس بدق الطبول حتى تتساوى الفرص لديهم فى التزوّد والإكتيال، ومن طبيعة الناس أن يعبّروا عن فرحتهم فى مثل تلك المناسبات من الفرج واليسر. ذلك هو اللهو الذي لم يقبله الله من الصحابة وهم فى موقف جليل يجب أن لا يشغلهم عنه شاغل مهما يكن عذرهم في ذلك وهناك رواية تذكر بأن خطاب رسول الله كان بعد الصلاة فظن الصحابة أن سماع الخطاب ليس مشروطا في صلاة الجمعة، وتذكر الرواية أن الرسول من يومها عكس الخطاب عن وضعية العيد فقدمه في صلاة الجمعة. ولعل الذين عاشوا منا تلك الفترات العصيبة من البؤس والفقر في العزلة التي عاشتها منطقتنا قرونا من الزمن، هم الذين يدركون بعمق تلك الحالة النفسية التي كان عليها الصحابة، وهم يسمعون دق الطبول التي تؤذن بإنفراج الأزمة، وربما يجدون لهم عذرا فى موقفهم ذلك، ولكن الله الخبير بعباده كان لطيفا في عتابه، وهو يريد أن يتخد منهم نموذجا أعلى للمؤمن الصادق الوفى لله ولرسوله

4) هو صحابي جليل كان جميل الصورة. يتمثل جبريل في صورته إذا جاء الى النبي في صورة إنسان، وقد رءاه بعض الصحابة مرارا.

6

،

11 ·