مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٣٢٢من
اللغات
أن
المصاحف المتلو، بالالسن المحفوظ في الصدور، مخلوق لأنه مركب من حروف وكل حرف منها مشروط وجوده بانقضاء ما قبله فيكون له ابتداء وانتهاء، وما كان له ابتداء وانتهاء فهو حادث والمركب من الحادث حادث بالضرورة ولأنه ممكن وجوده وعدمه، وكل ما كان كذلك فهو حادث بالضرورة أيضاً، ولأنه شيء غير الله عز وجل. فلو قيل بقدمه بطلت الوحدانية في القدم لأنه يلزم أن يكون حينئذ قديمان وهو باطل ولأن الله عز وجل قال في حقه قرآناً عربياً (1))، فيقتضي يكون بعض الكلام الإلهي عربياً وبعضه عبرانياً ونحو ذلك فيكون متغيراً بتغير العبارات والمتغير حادث ولأن الله تعالى وصفه بأنه ذكر بقوله: (وأنه لذكر لك (2)) ووصف الذكر بأنه حادث بقوله: {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث (3)) ولأنه تعالى قال في حقه كتاب أحكمت آياته ثم فصلت (4)) وهذا دليل على تركيبه من أجزاء هي آياته، والمركب حادث ولأنه تعالى وصفه بأنه تنزيل وذلك يقتضي تنقله من مكان إلى مكان والمتنقل حادث، ولأنه تعالى وصفه بأنه في اللوح بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ (5)) واللوح حادث فكذا الحال فيه ولأنه تعالى وصفه بقوله: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم (6)) وتلك الصدور، حادثة، وكذا الحال فيها، ولأنه ذكر فيه إنا أرسلنا ونحوها من صيغ الماضي، فلو كان قديماً لزم أن يكون الارسال قبل وجود ذلك القديم ولا وجود قبله فيلزم الكذب ولأنه تعالى قال فيه
(1) سورة طه [الآية 113].
(2) سورة الزخرف [الآية 44] وتتمة الآية (ولقومك وسوف تسألون).
(3) سورة الشعراء [الآية 5].
(4) سورة هود [الآية 1]. (5) سورة البروج [الآية 22]. (6) سورة العنكبوت [الآية 49].
322