مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٥٦الارسالي المتقدم، وإنما استشكلناه في غير الحيوانات لأنها لاتوصف بالانتفاع إلا مجازا ولو سلم للزم عليه اجتماع الحقيقة والمجاز في لفظ واحد في حال واحد وهما ضدان فيبطل.
(قوله: وأن يتم صنعها من تم الشيء يتم بالكسر إذا تكملت أجزاؤه قاله في المصباح، وكأنه أشار بزيادة التاء في تكملت للفرق بين التمام والكمال فإنه قال في الكمال، يقال كمل إذا تمت أجزاؤه وكملت محاسنه، فيستعمل في الذوات وفي الصفات انتهى مع تصرف. وعليه فيكون بين التمام والكمال العموم والخصوص المطلق. وذكر السيوطي بينهما فرقاً آخر وهو أن التمام يوصف به ماله أجزاء، والكمال لما يكن ذا أجزاء وجعل منه قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي (1)) فوصف الدين بالكمال من حيث أنه لا أجزاء له. ولما كانت النعمة لها عدة أجزاء يفوت حصرها وصفها بالتمام، وعليه فالنسبة بينهما التباين والصنع بالضم اسم بمعنى الصناعة وهي عمل الصانع، قاله في المصباح. وفيه أشعار بتقدم الخطبة على المنظومة. وفي ذكر التمام براعة المقطع وتسمى حسن الاختتام وهي أن يأتي المتكلم في آخر كلامه ما يشعر بتمام مقصوده كالتمام والكمال والاختتام والوفاء، والله در ابن النظر حيث قال: واستصحب القرآن مستشعرا مستظهرا خاتمة النحل
فإنه أحرز في هذا الميدان قصبات السبق فلا مباري وتوسط الدرجات العلى فلامماري فهو المجلي وغيره المصلي، وممن جعله الله في هذا المقام خليفة ذلك الامام شاعر زمانه والمقدم على أقرانه شيخ البيان محمد بن شيخان فإنه أتى في هذا الباب بالعجب العجاب كما يشهد
(1) سورة المائدة [الآية 5] وتتمة الآية الكريمة: ورضيت لكم الاسلام ديناً فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم). قال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة ولم ينزل بعدها حلال ولاحرام.