الخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية
الجزء ١ · صفحة ١٢بين يديه ولا من خلفه، وكانت سنته التي هي وحي يوحى.
جاءت نصوص القرآن والسنة محققةً للهدف العظيم - بقاء الشريعة وصلاحيتها حتى تقوم الساعة - فكانت النصوص عامة في غالبها تصلح لكل قوم ولكل زمان إلا ما كان لا بد فيه من حكم قاطع صارم يمنع تدخل العباد فيه؛ لأنه لا ينصلح إلا بتحديد الباري،،له، كأحكام المواريث، وبعض أحكام الأسرة، وهذا العموم هو الذي جعل الفقهاء ـ الذين هم ورثة الأنبياء - قديمًا وحديثا، يختلفون في مسائل من أحكام هذه الشريعة، وأسباب الاختلاف كثيرة متنوعة ليس هذا موضع بسطها، ولكن المحصلة أن کل اختلاف مبني على الأسس الصحيحة لا بد أن يكون داخلاً فيما يحقق للناس، مصلحة أو يدفع عنهم، مفسدة، ولم يزل الصدر الأول من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين يختلفون في كثير من المسائل، ولا ينكر بعضهم على بعض، ولا يفسد الخلاف للود بينهم قضية - إلا ما نذر - وكتب التاريخ حافلة بروائع القصص عما ساد بين الفقهاء والعلماء من تقدير وإجلال واحترام.
ثم بعد هؤلاء وبعد استقرار المذاهب الأربعة جاء أتباع لهم، نكصوا عن طريق من اتبعوهم وتعصب كل فريق لإمامهم، وصارت المسائل الخلافية ميدانا يتبارى فيه المتبارون ويتبارز فيه المتبارزون، وبلغ التعصب حدا خرج عن مقتضى العلم ومنفعة الشريعة حتى لقد وضع بعضهم أحاديث، وكذب على رسول الله ليتبوأ مقعده من النار؛ لأجل أن ينصر صلى الله عليه وسلم ويحطّ من قدر غيره، وانتشرت المناظرات والسجالات بين أتباع المذاهب، وتعصب كل فريق لمن يتبعه وابتعدوا عن المعين الصافي الذي الأولون، وطالبوا أتباعهم أن يأخذوا منه - القرآن والسنة ـ وجعل كثير من المقلدين والفقهاء المتأخرين كلامَ أئمتهم من الثوابت والمسلمات التي يجب الانتصار لها ولو كانت بينَةَ الخطأ، أو كانت حجة مخالفهم أكثر نصوعًا وصوابًا.
إمامه
أخذ منه
هذا التعصب المقيت كان له صور وأمثلة بشعة مسرودة في كتب
12