الخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية
الجزء ١ · صفحة ١٣التاريخ، مع أن الخلاف الفقهي رحمة بالأمة وسعة ينبغي أن تستفيد منه وتبني، بدلاً من أن تتضرر منه وتهدم وفي كلام الأئمة العلماء خير دليل على ذلك، فقد قال أحمد بن حنبل لرجل جاءه وقال له: قد ألفت كتابا وسميته كتاب الاختلاف قال: سَمِّه كتاب التوسعة، وقال ابن تيمية للمقلد يتبع قول إمامه ما لم يتبين له خطؤه أو يتيقن منه، وهذا أمر طبيعي؛ لأن العلماء بشر غير معصومين يخطئون، ويصيبون ولذا قال الإمام مالك: كلِّ يُؤخذ منه ويرد عليه، إلا صاحب هذا القبر - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن
11
وعموما؛ فلدراسة الخلاف بين المذاهب فوائد جمة كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر، معرفة دليل كل فريق وهذا يؤدي غالبًا إلى عدم التعصب للرأي الواحد؛ وذلك لمعرفة أدلة الآخر وحجته فيما ذهب إليه، ومعرفة أنه لم يذهب إلى ما ذهب إليه تشهيّا، وهوى وإنما سلك مسلك العلماء العارفين ومنها الرجوع إلى الحق والصواب لمن كان لديه ملكة للترجيح بين الأقوال، إن كان قول مذهبه مخالفًا للصواب، ومجانبًا له، ومنها إقناع الآخر بمرجوحية قوله لضعف دليله أو بطلانه، وصواب قول المخالف لقوة دليله أو قبول الرأيين وعدم النكير على الآخر في حالة تساوي الدليلين، ومنها تكوين ملكة فقهية وأصولية للباحث، تبنى على سعة اطلاعه على الأدلة المختلفة من الكتاب والسنة والإجماع، هذه الملكة لم يكن ليصل إليها لو لم يخض غمار دراسة الخلاف بين المذهب.
ما تقدم من الفوائد هو ما دفعني لدراسة الخلاف الفقهي بين المذاهب ولم تكن دراسة الخلاف بين المذاهب الأربعة ذات جدوى في رسالتي هذه؛ لأن الفقهاء قديمًا وحديثًا أكثروا من الكلام في خلافهم، وصنفت لذلك المصنفات العظيمة والمختصرات المفيدة، التي لم تترك غالبًا إفادة لمفيد ولا استزادة لمستزيد، فتوجهتُ لدراسة الخلاف بين مذهبي الإباضية والمالكية لأسباب كثيرة منها أن المذهبين متجاوران جغرافيا، فمذهب الإباضية محاط في معظم أماكن وجوده بالمذهب المالكي فبمحاذاة عُمان الموطن الأساس للإباضية توجد الإمارات العربية، التي ينتشر فيها قبائل من أتباع المذهب المالكي وبخاصة في إمارتي دبي وأبو ظبي،
،
13