الخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية
الجزء ١ · صفحة ٥٥٧النبي صلى الله عليه وسلم فلما أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُوهَا، فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِن النبي؟! قد غفر الله له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ، قال أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وقال آخَرُ: انا أَصُومُ الدَّهْرَ ولا أُفطِرُ، وقال آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا والله إني لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ له، لَكِنِّي أَصُومُ وَأَفْطِرُ، وَأَصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَن سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (1)، ويرد على مذهب المالكية استدلالهم بقوله: من غَشْ فَلَيْسَ مِنَّا (2)، على حرمة الغش في البيع، فاللفظ في الحديثين واحد فليس مني ـ فليس منا، ويرد عليه أيضًا أنهم قالوا بكراهة النذر المكرر كمن ألزم نفسه بصيام كل يوم اثنين وخميس مثلاً، لأن المطلوب في العبادة الإقبال عليها برغبة وشوق، وما تكرر تنتفي فيه هذه الصفة، بل لعله يقبل على العبادة بعدم رغبة وتوحش ونفرة (3)، وصوم الدهر يلزم منه ذلك كما تقدم في معنى (نفهت له النفس) في حديث عبدالله بن عمرو - ا - المتقدم، وعليه فالعلة في الحكمين واحدة فليس أقل من أن يقولوا بالكراهة إن لم يقولوا بالحرمة والله أعلم وأحكم - وَحُجَّةُ المالكية الْقَائِلِين بِجَوَازِ صَوْمِ الدَّهْرِ الْإِجْمَاعُ على لُزُومِهِ لِمَنْ نَذَرَهُ، وَلَوْ كان مَكْرُوهًا أو مَمْنُوعًا، لِمَا لَزِمَ عَلَى الْقَاعِدَةِ في أن النذور المكروهة أو المحرمة لا يجب الوفاء بها (4).
المسألة العاشرة واختلف المالكية مع الإباضية في حكم الحجامة في نهار رمضان بعد اتفاقهما على عدم حرمتها وأنها لا تفطر بذاتها، فقال
(1) صحيح البخاري كتاب النكاح بَاب التَّرْغِيبِ في النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانكِحُوا مَا طاب لكم مِّنَ النِّسَاءِ الحديث رقم 5063، 556/ 2، وصحيح مسلم، كتاب النكاح بَاب اسْتِحْبَابِ النِّكَاحَ لِمَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إليه وَوَجَدَ مُؤَنَهُ، وَاشْتِغَالِ مِن عَجَزَ عَنِ الْمُؤْنِ بالصوم، الحديث رقم 1400، 3/ 2.
(2) صحيح مسلم، باب الإيمان بَاب قَوْلِ النبي: من غَشْنَا فَلَيْسَ مِنَا»، الحديث رقم 102، 99/ 1
(3) انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 142/ 2.
(4) المرجع السابق 168/ 2.
557