الخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية
الجزء ١ · صفحة ٦٣عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَبُولَنَّ أحدكم في الْمَاءِ الدَّائِم الذي لا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ منه (1)، حيث ظاهره أن البول ينجس الماء الراكد غيره أو لم يغيره (2)
المناقشة الراجح - والله أعلم وأحكم - ما ذهب إليه المالكية؛ لحديث: الْمَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْء (3)، لأن الماء باقي على أصل خلقته لم يتغير؛ فليس من داع للحكم بنجاسته، وما احتج الإباضية به من النهي عن البول في الماء الراكد ثم الوضوء منه والاغتسال يقتضي نجاسة الماء، فقد أجاب عنه شارح متن النيل نفسه بقوله: [إن هذا النهي تنفير عن تنجيس ما يحتاج إليه من الماء لما فيه من الجفاء وكراهة النفس، أو لئلا يعتاد على ذلك حتى يكثر فينجس، أو لئلا يتناول من نفس المكان الذي بال فيه فيوافق النجس] (4).
المسألة السادسة ومما اختلفوا فيه في هذا الباب آنية الوضوء وشبهها، تقع فيها نجاسة قليلة كقطرة بول أو دم والحال أن الماء لم يتغير بهذه النجاسة، هل الماء طاهر أم لا؟ فالمالكية على أصلهم أن الماء طاهر، وإن حكموا بكراهة استعمال هذا الماء في الطهارة لمن يجد غيره (5)، أما الإباضية فأصح القولين عندهم أن هذا الماء نجس؛ لأنه أقل من قلتين (6). أدلة المالكية: استدل المالكية بما استدلوا به في المسألة السابقة من
(1) صحيح البخاري، كتاب الوضوء، بَاب الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِم، الحديث رقم 236، ملاحظة وصحيح مسلم، واللفظ له، كتاب الطهارة، باب النهي عن الْبَوْلِ في الْمَاءِ الرَّاكِدِ، الحديث رقم 282، 235/ 1 (2) انظر بداية المجتهد 31/ 1
(3) سنن أبي داود كتاب الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة 17/ 1، وسنن الترمذي، كتاب أبواب الطهارة، باب ما جاء أَنَّ الْمَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ 96/ 1، والسنن الكبرى
للبيهقي، كتاب الطهارة باب التطهير بماء البئر 4/ 1.
(4) شرح كتاب النيل 130/ 1. (5) انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 73/ 1، 74. (6) انظر شرح كتاب النيل 137/ 1.
63