الخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية
الجزء ١ · صفحة ٦٤(3)
أحاديث؛ إذ لا فرق عندهم بين المسألتين إلا القول بالكراهة في هذه المسألة، واستدلوا أيضًا في المسألتين بعمومات قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ظهور الله (1)، وقوله او وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ه (2)، فقد سمى القرآن الماء طهورًا، وإنما يكون طهورًا بصفته التي نزل عليها، فلا يُنفى عنه اسم الطهورية حتى تنتفي هذه الصفة بالتغيير، واستدلوا بقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا (3)، ووجه الحجة من الآية، أن لفظ ماء فيها نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، فيدخل في معنى الآية الماء القليل الذي لم تغيره النجاسة واستدلوا بحديث الأعرابي الذي بال في المسجد، ونصه عن أبي هُرَيْرَةَ الله قال: قام أَعْرَابِيُّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَتَناوَلَهُ الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا على بَوْلِهِ سَجْلا (4) من مَاءِ، أو ذَنُوبَا (5) من مَاءِ؛ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسْرِينَ، ولم تُبْعَثُوا مُعَسْرِينَ» (6)، ووجه الحجة منه أن قليل الماء طهر قليل النجاسة، فدل على عدم تأثير قليل النجاسة في قليل الماء إلا إذا غيرته (7)، وجمعوا بين الحديث الأخير الذي يدل على طهارة قليل الماء الذي تقع فيه النجاسة القليلة، وبين حديث إذا اسْتَيْقَظَ أحدكم من نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قبل أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ؛ فإن أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ (8)، الذي يدل بظاهره على أن قليل النجاسة
(1) الفرقان، الآية (48).
(2) الأنفال، الآية (11).
(3) النساء الآية (43).
(4) السجل: الدلو فيها الماء، غريب الحديث القاسم بن سلام الهروي تح: محمد عبدالمعيد خان دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط 1، 1396 هـ، مادة (سجل)
138/ 3، وتهذيب اللغة مادة (س ج ل) 309/ 10
(5) الذنوب ملء دلو من ماء انظر العين مادة ذ ن ب) 190/ 8. (6) صحيح البخاري، كتاب الوضوء بَاب صَبْ الْمَاءِ على الْبَوْلِ في الْمَسْجِدِ، الحديث رقم 220، 61/ 1
(7) انظر مفردات المذهب المالكي في العبادات عبدالمجيد محمد الصالحين دار ابن: حزم، بيروت، لبنان، ط 1، 2005، 99/ 1، 100.
(8) الموطأ الإمام مالك بن أنس الأصبحي. تح محمد فؤاد عبدالباقي. دار إحياء التراث العربي: القاهرة، مصر،21/ 1، وصحيح مسلم مسلم بن الحجاج النيسابوري. مكتبة =
64