الخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية: دراسة تحليلية استقرائية مقارنة في العبادات عبد المحسن سالم محمد الكاتب [دارس عن الإباضية]

الخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية

الجزء ١ · صفحة ٦٣٤

نَطُوفَ

)

اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ فَوَاللَّهِ ما على أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لا يَطُوفُ بِالصَّفا وَالْمَرْوَةِ!! قالت: بِئْسَ ما قُلْتَ يابن أُخْتِي، إِنَّ هذه لو كانت كما أَوْلْتَهَا عليه؛ كانت لا جُنَاحَ عليه أَنْ لا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الْأَنْصَارِ؛ كَانُوا قبل أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاعِيَةِ، التي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ، فَكَانَ من أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فلما أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كنا نَتَحَرَّجُ أَنْ بين الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَارِ الآيَةَ، قالت عَائِشَةُ - ه - وقد سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بن عبدالرحمن فقال: إِنَّ هذا لَعِلْمٌ ما كنت سَمِعْتُهُ، وَلَقَدْ سمعت رِجَالاً من أَهْلِ الْعِلْم يَذْكُرُونَ أَنَّ الناسِ إلا من ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كان يُهِلَّ بِمَنَاةَ، كَانُوا يَطُوفُونُ كلهم بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فلما ذَكَرَ الله تَعَالَى الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، ولم يذكر الصفا وَالْمَرْوَةَ فِي الْقُرْآنِ: قالوا يا رَسُولَ اللَّهِ: كنا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فلم يذكر الصَّفَا فَهَلْ عَلَيْنَا من حَرَج أَنْ نَطْوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَارِ اللَّهِ الآيَةَ قال أبو بَكْرٍ: فَأَسْمَعُ هذه الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا: فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الْإِسْلَام من أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ولم يذكر الصَّفا حتى ذَكَرَ ذلك بَعْدَ ما ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ) (2). المسألة الثانية: اتفق المذهبان أن للسعي شروطا لا يتم إلا بها، ومن ذلك تقدم الطواف عليه ولكنهما اختلفا في بعض جزئياته، فقال

(2)

(1) المشلل بضم أوله وفتح ثانيه وفتح اللام وتشديدها جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر، انظر معجم ما استعجم 1233/ 4، ومعجم البلدان 136/ 5. البخاري، كتاب الحج، باب وُجُوبِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَجُعِلَ من شَعَائِرِ اللَّهِ، صحيح الحديث رقم 1643، 361/ 1، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب بَيَانِ أَنَّ السَّعي بين الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رُكُنٌ لا يَصِحُ الْحَجُ إلا به، الحديث 1277، 642/ 1.

634