الخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية
الجزء ١ · صفحة ٦٥٩رأسه
من
شَقِيقَةٍ كانت بِهِ) (1)، ومبنى القول الأول من قولي الإباضية الأخذ بالحديث مطلقا، أي للضرورة، ولعدمها ومبنى الثاني حرمة إزالة التفث التي تترتب غالبًا على نزع الشعر بالحجامة، أما المالكية فعللوا الكراهة بإزالة الشعر موضع الحجامة، ولذا أجازوها مع عدم وجود نزع الشعر أو قتل الهوام، كما اعتبروا العذر وغيره في ذلك لما في الحديث السابق (من شَقِيقَةٍ كانت به ففرقوا بين حكمها في حالة العذر وغيره، والقول الثاني من قولي الإباضية بجوازها مع العذر وحرمتها مع عدمه قوي يجمع بين المصلحتين: جواز التطبب وحرمة إزالة الشعر، أما لزوم الدم فليس في الحديث ما يفيده وتعقبه الشارح بأنه يحتمل أن يكون أعطى الجزاء ولم يُعلم الصحابة به، ولم يخبرهم؛ لأنهم إذا علموا أن في إزالة الشعر جزاء، فأولى أن يعلموا بوجوب الجزاء الحجامة، ما يترتب عليها من قص الشعر، وما قاله له وجه لوجوب الجزاء على من أماط الأذى بقص شعره ولو للضرورة كما في حديث كَعْبِ بن عُجْرَةَ الله (أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحْرِمًا، فَآذَاهُ الْقَمْلُ في رَأْسِهِ، فَأَمَرَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَحْلِقَ رَأْسَهُ، وقال: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أو أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ إِنْسَانِ أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ، أَي ذلك فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ)) (2)، الحديث نفسه يضعف قول الإباضية بلزوم الدم مطلقا، ويُقوي قول المالكية بوجوب الفدية لمن قطع شعرات كثيرة، والفدية عندهم الأنواع المذكورة في الحديث، ووجه ذلك أنه إذا جاز التخيير بين الأنواع الثلاثة لمن حلق شعره بالكامل، فأولى أن نعطي هذا التخيير لمن حلق بضع شعرات لأجل الحجامة، ولا نلزمه بالدم فقط، وهذا القول ينطبق على الترجيح بين
(1)
وهذا
صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الحجم من الشَّقِيقَةِ وَالصَّداع، الحديث رقم 5701، 78/ 3.
(2) الموطأ، كتاب الحج، باب فِدْيَةِ من حَلَقَ قبل أن يَنْحَرَ، 417/ 1، وصحيح البخاري، كتاب المحصر، بَاب الْإِطْعَامُ في الْفِدْيَةِ نِصْفُ ضاع، الحديث رقم 1816، 396/ 1، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب جَوَانِ خَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذا كَانَ بِهِ أَذًى وَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ لِحَلْقِهِ وَبَيَانِ قَدْرِهَا، الحديث رقم 1201، 598/ 1.
709